رأي

حوار مع مبارك الفاضل

فيما أرى

عادل الباز

1

بالأمس غرد السيد مبارك الفاضل ليجيب على سؤالين طرحهما هو على نفسه، مفادهما: لماذا لا يمكن إقامة الحوار السوداني داخل السودان؟ لماذا ندعم الحوار الخارجي الذي تنظمه الخماسية الدولية؟ الإجابة على السؤال الأول، كما تفضل بالإجابة عليه، تقول: > “إن هناك مجتمعات تحت سيطرة الميليشيا لا يمكنها أن تشارك في الحوار” والسبب الثاني هو (غالبية القوى السياسية الرافضة للحرب ورافضة لاستمرار الحكم العسكري)، والنتيجة في تقديره هي (حوار الداخل سيقود أولاً إلى تكريس انقسام السودان، وثانياً سيدعم ويشجع استمرار الحرب، وثالثاً سيدعم استمرار الحكم العسكري الشمولي استناداً إلى انقلاب أكتوبر 2021). إذن، هذه هي الأسباب التي يرفض بموجبها السيد مبارك الحوار السوداني-السوداني الذي أعلنت عنه الحكومة والذي سيجري بداخل السودان، ويفضل عليه حوار الخماسية الذي سيجري بالخارج. وقبل أن نستكشف دوافع تفضيله لحوار الخماسية، لنتفحص بعمق الأسباب التي ساقها ضد حوار الداخل.

2

لم أستطع استيعاب قوله إن المجتمعات في مناطق سيطرة الدعم السريع لن تشارك! فقبائل دارفور موزعة في كل بقاع السودان، فما الذي سيمنعهم من المشاركة في الحوار الوطني بالداخل؟ إلا أن يكون السيد مبارك يعتقد أن أعضاء القبائل الموجودين في مناطق سيطرة الدعم السريع يملكون الحق الحصري في تمثيل تلك المجتمعات ، وأن أي شخص -على سبيل المثال- ينتمي للرزيقات وموجود في مناطق سيطرة الجيش لا يحق له تمثيل مجتمع الرزيقات ولو كان زعيم القبيلة نفسه. هل يُعقل -مثلاً- ألا يشارك المساليت لأن بعضهم في مناطق سيطرة الدعم السريع؟ هذا منطق يدعو للاستغراب حقاً.

3

أما القوى السياسية التي يصفها السيد مبارك بأنها “رافضة للحرب”، فهي في الحقيقة القوى التي تسببت فيها و في إطالة أمد النزاع بعد خذلانها للشعب وصمتها المريب تجاه المليشيا التي رفضت إعلان جدة؛ ذلك الإعلان الذي كان كفيلاً بقيادتنا إلى السلام في الأسابيع الأولى للحرب. ولكنهم، بعد أن أدركوا فشل انقلاب المليشيا، رفعوا شعار (لا للحرب) كغطاء سياسي ليس إلا! تلك القوى كانت ترفض هزيمة المليشيا لا الحرب بذاتها، وإلا لكانت قد دعمت إعلان جدة وأدانت انتهاكات المليشيا بوضوح.. أليس هذا هو الواقع يا سيد مبارك؟

ورغم تلك المواقف، نجد الدولة تسعى جاهدة هذه الأيام لتهيئة الأوضاع بما يسمح لـ “صمود” وغيرها ممن اصطفوا مع المليشيا بالعودة والمشاركة، مع تقديم كافة الضمانات اللازمة لهم. وإذا أسقطنا هذه التجربة على النماذج العالمية، نجد أن هذه ليست بدعة سياسية؛ فجمهورية جنوب أفريقيا تمثل النموذج الأبرز في هذا الصدد. فقبل مفاوضات إنهاء نظام الفصل العنصري (1990–1994)، اتخذت حكومة “دي كليرك” إجراءات شجاعة لبناء الثقة: أطلقت سراح نيلسون مانديلا، رفعت الحظر عن المؤتمر الوطني الأفريقي، وأصدرت ضمانات لعودة المنفيين دون ملاحقة. وبالفعل، عاد أوليفر تامبو وآلاف المنفيين، وأُجري الحوار داخل جنوب أفريقيا، لا في عواصم الخارج.

4

لم يفصح السيد مبارك عن الدوافع الحقيقية التي تمنع “الرافضين للحرب” من العودة، يدرك سيد مبارك يقيناً أن العائق الأساسي هو موقف الكفلاء الخارجيين؛ فحوار الداخل يسلبهم القدرة على السيطرة على الأجندة أو التحكم في المخرجات. وهنا يبرز التساؤل: كيف يدعو السيد مبارك ورهط المعارضة لحوار “سوداني-سوداني” بأجندة وطنية، ولكن في أرض أجنبية وتحت وصاية خارجية؟! إنه تناقض عجيب يا سيد مبارك.

5

وبالانتقال إلى النتائج التي يخشاها السيد مبارك من حوار الداخل، فقد لخصها في تغريدته بأنها ستؤدي إلى: (تكريس انقسام السودان، ودعم استمرار الحرب، وتثبيت الحكم العسكري الشمولي). وهذه في نظري ليست سوى “فزاعة” سياسية؛ فالانقسام في الداخل قد وقع بالفعل؛ فالمصطفون مع الجيش والدولة ثابتون على مواقفهم، والمؤيدون للمليشيا وداعميها عالقون في خياراتهم لعدم وجود فرصة للفكاك، والأسباب يعلمها السيد مبارك جيداً. بل على العكس، فإن الحوار داخل الوطن قد يساهم في تقريب المسافات وجعل الأطراف أكثر رحابة، مع إدراكنا التام بأن حوار الداخل أو الخارج لن يوحد الرؤى بشكل مطلق، فهذا وهمٌ بعيد المنال ولو عُقد الحوار في المريخ!

6

أما ادعاء السيد مبارك بأن حوار الداخل سيشجع استمرار الحرب، فما الرابط المنطقي بينهما؟ فالحرب قائمة ومستمرة بالفعل، وستتواصل حتى القضاء على التمرد أو استسلامه، ولا يوجد طريق ثالث في ظل موقف الدولة الراهن. وهنا يجب التمييز بوضوح بين المسارات؛ فحوارات الفضاء المدني والسياسي تختلف جذرياً عن التفاوض العسكري. فإذا كان هناك ما سيوقف الحرب، فهو الحوار المباشر بين المتقاتلين أو التفاوض مع الإمارات بصفتها الطرف الكفيل.. هذا هو السبيل العملي. أما الحوارات السياسية فهدفها الاتفاق على القضايا الكلية وخارطة الطريق للفترة الانتقالية، وهي قد تفيد في تهيئة المناخ وتقريب وجهات النظر، أما القول بأنها ستوقف الحرب فذلك نجع بعيد يا سيد مبارك!

7

وفيما يخص التذرع بـ (دعم الحكم العسكري الشمولي)، يتساءل المرء: منذ متى كان السيد مبارك الفاضل خصماً للحكم العسكري؟ هل كان ذلك قبل الإنقاذ أم خلالها؟ أم بعد انقلاب البرهان؟ بل إن حزب الأمة نفسه له تاريخ طويل في التعامل مع الانقلابات، فمن الذي دشن عهد الانقلابات في السودان أصلاً؟ هل يصنف السيد مبارك نفسه اليوم ضمن القوى الرافضة للعسكر؟ حكمة والله وحكاية.

8

لكل هذه الأسباب الهشة، يفضل السيد مبارك حوار الخماسية، زاعماً أنه سيكون “محايداً في أرض محايدة” لتحقيق مصالحة وطنية وتوافق حول التحول الديمقراطي. ولكن السيد مبارك لم يحدد لنا أين هي هذه “الأرض المحايدة”؟ في أي قارة أو دولة؟ وهل يغيب عن ذهنه أن كل المؤتمرات التي عُقدت خلال هذه الحرب كانت في أراضٍ ذات أجندات؟ لندن، برلين، واشنطن، جنيف، نيروبي، أم أديس أبابا؟ أين هى ارض الحياد المزعوم؟ قد يذهب بعض القادة لاعتبار الإمارات أرضاً محايدة.! أما الوعود بأن حوار الخارج سيوقف الحرب، فهي مجرد أكذوبة سياسية، فالحلول الحقيقية لا تمنعها أرض الوطن إذا ما صفت النوايا واستشعر الجميع المسؤولية التاريخية.

9

إن موقف السيد مبارك الفاضل المعارض حالياً للسلطة القائمة -والتي دعمها بقوة في بداياتها وفي مطلع الحرب- قد دفعه إلى رؤى غريبة تسلم الحل للخارج، وتعتبر شعار “السودان للسودانيين” محض خيال من الماضي. لقد بات السودان في نظره ساحة مفتوحة لأجندات الرباعية والخماسية. ورحم الله الإمام المهدي، الذي مات وهو يحلم بغزو العالم بينما نرى أحفاده اليوم يتماهون مع الغزاة.. يا لها من دنيا عجيبة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى