قانون الملاحة أحد قوانين القيادة، وجوهره أن أي شخص يستطيع توجيه السفينة، ولكن تحديد المسار يتطلب قائداً؛ والقائد هو الشخص الذي يرى أكثر مما يراه الآخرون، وأبعد مما يرى الآخرون، وقبل أن يرى الآخرون. وهناك أيضاً قانون الحدس، وهو قدرة القائد على قراءة ما يحدث حوله من مواقف وأشخاص واتجاهات. والقيادة مقترنة بثراء التجارب والتجمر بالحكمة والنضج، ولكن ما شاع من تسريبات لقاء رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني عثمان كبر -رغم نفيه للواقعة- تنمُّ عن حالة ضعف في الوعي السياسي، وتصب في صالح الأجندة الخارجية الخبيثة وتحالف ميليشيا آل دقلو وجناحها السياسي “صمود”، الذين يسعون إلى دمغ الجيش الوطني بالأدلجة، ومن ثمَّ فض حالة الالتفاف والاندماج بينه وبين الشعب السوداني في معركة الكرامة.
(2)
كذلك تصب هذه التسريبات في صالح المخطط الأخطر، وهو تدحرج العلاقة بين قائد الجيش السوداني والإسلاميين إلى ذات المنحنى التصعيدي الذي آلت إليه الأمور بين الرئيس السابق جعفر نميري والحزب الشيوعي السوداني، بعد إقصاء ضباط الحزب من مجلس قيادة الثورة في نهاية العام 1970م، ثم نفي واعتقال زعيم الحزب المرحوم عبد الخالق محجوب، وصولاً إلى مواجهة انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971م، والذي أحبطه التيار العسكري المؤيد لنميري بدعم إقليمي ودولي، مما ساق قادة الحزب الشيوعي المدنيين والعسكريين إلى مقاصل الإعدام في “أسبوع الآلام” كما رسخ في ذاكرتهم. إن تكرار سيناريو كهذا في هذه اللحظة التاريخية الحرجة يعني إضعاف وإنهاك الجيش، وبالتالي ترجيح ميزان القوة العسكري لصالح الميليشيا المجرمة؛ فإما سقط السودان في قبضتها أو هوى في أتون حرب “الكل ضد الكل”.
(3)
على قيادة المؤتمر الوطني إدراك حقيقة سقوط النظام السابق وانحياز الجيش إلى الشعب في انتفاضة ديسمبر 2018م، وإدراك استحالة عودتهم إلى السلطة عبر رافعة المؤسسة العسكرية، والحقيقة المجردة هي أن الفريق البرهان لن يسلم السلطة للمؤتمر الوطني تحت أي غطاء، كما لم يفعل عبود مع حزب الأمة، ولا نميري مع الشيوعيين، بل كما لم يفعل البشير -ابن الحركة الإسلامية- رغم اليمين المغلظ الذي أقسمه أمام الدكتور الترابي. ولكن الفرق أن البشير كانت مساحات مناورته للاستمرار في الحكم تعتمد على الاستقواء بمجموعات من داخل التيار الإسلامي، ومقاومته لكل الإغراءات الخارجية لإحداث مفاصلة دموية بينه وبين الإسلاميين مقابل البقاء المطلق في الحكم.
(4)
إن دفع منحنى العلاقة بين المؤتمر الوطني وقائد الجيش إلى خط المواجهة والصدام سيضطره إلى إبرام اتفاقيات سياسية تحظى بالدعم والإسناد الإقليمي والدولي، وقد تصل إلى صفقة تسوية تنهي الحرب الحالية وتعيد تدوير الميليشيا وجناحها السياسي في الحكم. والسياسة تجري فوق رمال متحركة، ليس فيها عدو دائم أو صديق دائم، بل مصالح دائمة؛ بتعبير ونستون تشرشل.
(5)
إن واجب قيادة المؤتمر الوطني الاستراتيجي هو تعظيم القيم الأخلاقية للسياسة لا التعاطي معها بعقلية المصالح والمكافأة؛ وهذا يقتضي ابتعادها عن توظيف المؤسسة العسكرية لصالح أجندة الحزب، والمثابرة على إنجاز وحدة الحزب والقيادة، والعمل على تعظيم رمزية الحزب الفكرية والسياسية وسط قطاعات المجتمع الحية من الطلاب والشباب والمرأة والإدارة الأهلية والطرق الصوفية. وضرورة اجتراح مبادرة تفضي إلى وحدة التيار الإسلامي الوطني الكبير، واستمرار أدوارها الطليعية في تعبئة وقاعدة الحزب والمجتمع السوداني للاصطفاف والتلاحم مع الجيش في معركة الكرامة، حتى القضاء المبرم على الميليشيا الإرهابية أو استسلامها؛ وبالتالي تحييد الأداة الصلبة للمخطط الخارجي الذي يستهدف كسر إرادة الجيش والشعب، وتمكين الميليشيا وجناحها السياسي من الحكم، واستئصال شأفة كل تيارات حركة الإسلام، وإدماج السودان في نادي التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية “الصهيو-أمريكية”.
(6)
صفوة القول؛ إن واجب قيادة المؤتمر الوطني بعد هزيمة المخطط الخارجي وأدواته الداخلية، هو دفع القوى السياسية الوطنية لإبرام ميثاق شرف سياسي يمنع الاستقواء بالجيش في ميدان التدافع السياسي، وكذلك حفز هذه القوى على الاصطفاف في “كتلة تاريخية” مهامها التوافق الاستراتيجي حول قضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي المستدام، ثم دفع قيادة الجيش السوداني لتنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتسليم السلطة لحكومة منتخبة من قاعدة المجتمع.