في أعقاب طرح مشروع المصالحة الوطنية مع نظام نميري عام 1977م، اتخذ الشريف حسين الهندي موقفاً رافضاً، فتعرض لهجوم من طرفين متناقضين: السلطة والمعارضة. عندها أطلق مقولته الشهيرة:
“فليقرأ كل من يعتقد أننا نرفض المصالحة والوحدة الوطنية، وكل من يعتقد أننا نتهالك على الحكومة، فليرمنا الأول منهم بحجر، وليرمنا الآخرون بكل الحجارة، وليكن التاريخ والمستقبل والوطن حكماً عدلاً بيننا وبينهم.”
لم تكن هذه العبارة مجرد رد عابر، بل كانت دفاعاً عن موقف مبدئي في مواجهة اتهامين متناقضين: رفض الوحدة الوطنية من جهة، والسعي للسلطة من جهة أخرى. وفي عمقها، حملت ثلاث رسائل واضحة: الثقة في سلامة الموقف، ورفض المزايدات من جميع الأطراف، والإيمان بأن الحكم الحقيقي ليس للحظة السياسية، بل للتاريخ. كما أن هذه المقولة لا تؤسس لموقف بعينه، رفضاً كان أو قبولاً، بقدر ما تؤسس لقاعدة أعمق: أن يكون القرار نابعاً من إرادة حرة، متجردة، ابتغاء وجه الوطن، دون رهبة من الاتهام أو تهيّب من اتخاذ الموقف، أياً كانت كلفته.
اليوم، وفي ظل الحرب التي تعصف بالسودان وما أفرزته من استقطاب حاد بين القوى السياسية والمستقلين، اختار عدد من الأحزاب والكتل والمستقلين الاصطفاف بوضوح خلف مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، في مواجهة تمرد مليشيا الدعم السريع، في معركة باتت توصف بأنها معركة وجود.
من بين هؤلاء، برز موقف الدكتور أمجد فريد الطيب، الذي تجاوز خلافاته السابقة وقفز فوق التباينات المعروفة، متخذاً موقفاً وطنياً صريحاً. دافع عن السودان بوضوح وجرأة، وأسهم بفعالية في تفكيك السرديات المضللة، مقدِّماً نموذجاً على التمييز بين معارضة الحكومة ومعارضة الوطن. ورغم أن كثيرين قرأوا تعيينه مستشاراً لرئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية من زاوية هذا الموقف الوطني، إلا أن ثمة جانباً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في معايير الكفاءة التي نصت عليها الوثيقة الدستورية لعام 2019م، والتي اشترطت لشغل المناصب الدستورية “النزاهة و الكفاءة والتأهيل والخبرة العملية والقدرات الإدارية الملائمة”. وبعيداً عن أي مماحكات سياسية، فإن سيرته وخبراته تشير إلى قدرته على اجتياز هذه المعايير بجدارة.
وبالعودة إلى أجواء مصالحة 1977م، حيث قبلها الإمام ورفضها الشريف، دون أن ينتقص ذلك من قدر ووطنية أيٍّ منهما، نجد أنفسنا اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً وخطورة، يستدعي رفع سقف التنازلات من أجل الوطن.
في هذا السياق، قبل الدكتور أمجد التكليف، وقدم مرافعة وطنية واضحة بقوله: “قبلت أن أحمل أمانة التكليف في موقعي هذا، أداءً لبعض حق الوطن علينا في خضم معركة وجودية لا تقبل أنصاف المواقف، ولا تتسع للمناورة.”
هذا هو موقفه، وهذا اجتهاده، وهو ما يفرض احترامه – اتفاقاً أو اختلافاً – وكما قال الشريف حسين الهندي:
“ليكن التاريخ والمستقبل والوطن حكماً عدلاً بيننا وبينهم.”