رأي

حوار مع الغرفة التجارية

فيما ارى
عادل الباز
١
قبل كل شيء، لا بدّ من الإشادة برجال الغرفة التجارية على الطريقة المسؤولة التي تعاملوا بها مع التطورات الأخيرة المتعلقة بسعر الصرف، من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدوه الأسبوع الماضي. وما أعجبني أنهم لم يكتفوا بعرض رأي الغرفة فحسب، بل قدّموا مقترحات عملية تستحق النقاش. ومهما اختلفنا معهم، فإن هذا الموقف يُعدّ متقدّمًا ومحترمًا، ويؤسس لحوار اقتصادي جاد نحن في أمسّ الحاجة إليه.
٢
سأبدأ الحوار مع الإخوة في الغرفة بملاحظة مهمة تتعلق بالتعامل مع الأرقام. فكثير من الأرقام التي وردت في البيان لا تتوافق مع البيانات المنشورة في المصادر الدولية والرسمية المتاحة، الأمر الذي يستدعي توضيح المنهجية التي استندت إليها الغرفة في احتسابها.
٣
فعلى سبيل المثال، ذكر البيان أن سعر الجازولين ارتفع بنسبة 120%، بينما تشير البيانات الدولية إلى غير ذلك. فبحسب بيانات رويترز المستندة إلى أسعار Platts FOB Singapore Gasoil، وهو المؤشر المرجعي لتسعير الديزل في آسيا والصادر عن S&P Global Commodity Insights، ارتفع سعر الجازولين من نحو 91.42 دولارًا للبرميل في أواخر فبراير إلى حوالي 111.61 دولارًا للبرميل في 19 يونيو 2026، أي بزيادة تبلغ نحو 22% فقط، وليس 120%.
ورقم آخر أثار استغرابي، إذ يُفهم من البيان أن تكلفة شحنة باخرة سعتها 40 ألف طن تجاوزت 70 مليون دولار. والحقيقة أن هذه الحمولة تعادل تقريبًا 300 ألف برميل من الجازولين بحسب الكثافة النوعية للديزل. وحتى إذا افترضنا – جدلًا – سعرًا مرتفعًا يبلغ 186 دولارًا للبرميل، فإن القيمة الإجمالية للشحنة لن تتجاوز:
300,000 × 186 = 55.8 مليون دولار.
أي أنها تظل أقل بكثير من الرقم الوارد في البيان.
أما الرقم الثالث، فقد ورد فيه أن فاتورة استيراد الوقود بلغت 697 مليون دولار خلال الفترة نفسها، بفجوة تمويلية مقدارها 326 مليون دولار. بينما تشير بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن بنك السودان المركزي إلى أن إجمالي واردات البترول ومشتقاته خلال الربع الأول من العام بلغ نحو 501 مليون دولار فقط. ومن ثم، فمن المهم توضيح مصدر الرقم الذي استند إليه البيان؛ لأن الاعتماد على بيانات غير دقيقة يقود بالضرورة إلى استنتاجات وسياسات غير دقيقة.
٤
أرجعت الغرفة التجارية تدهور سعر الصرف إلى التضخّم المستورد عالميًا، ولا سيما ارتفاع أسعار المواد البترولية، وهذا صحيح جزئيًا. غير أنها أغفلت عاملًا داخليًا أكثر تأثيرًا، وهو طريقة إدارة الطلب على النقد الأجنبي.
فلا يعقل أن تستورد الدولة 11 باخرة في فترة قصيرة، بينما لا تتجاوز الحاجة الطبيعية نحو ثلاث بواخر شهريًا. وإذا كانت قيمة الشحنة الواحدة تدور بين 50 و60 مليون دولار، فإن استيراد هذا العدد من البواخر يعني خلق طلب فوري على النقد الأجنبي يتجاوز 600 مليون دولار، وهو ما يشكل ضغطًا هائلًا على سوق الصرف، بغض النظر عن تطورات الأسعار العالمية.
ويعود ذلك إلى منح أذونات الاستيراد لعشرات الشركات غير المؤهلة، التي تبيع هذه الأذونات وتحقق أرباحًا كبيرة دون أن تمتلك القدرة المالية على استيراد باخرة واحدة. وللأسف، فإن الغرفة التجارية أول من يعلم هذه الحقيقة، لكنها تغض الطرف عنها، بل تدافع عن هذه الشركات.
كما تعلم الغرفة جيدًا أن تجار الدولار والذهب أصبحوا الممولين الحقيقيين لعدد كبير من شركات البترول التي قيل إنها مؤهلة للمنافسة، والبالغ عددها نحو 45 شركة. والنتيجة الطبيعية أن هذه الشركات تلجأ إلى السوق الموازي لتوفير النقد الأجنبي، فتحدث قفزات مفاجئة في الطلب على الدولار، وينعكس ذلك مباشرة على سعر الصرف.
والأولى هو تأهيل الشركات فنيًا وماليًا قبل منحها حقّ الاستيراد، ثم فتح باب المنافسة أمام جميع الشركات المؤهلة. والغريب أن الغرفة التجارية تقبل هذا المبدأ في العطاءات الحكومية، لكنها ترفضه عندما يحاول بنك السودان تطبيقه في قطاع استراتيجي كاستيراد الوقود
٦
أتفق مع الإخوة في الغرفة على أن الحل الجذري يكمن في الاستثمار الأمثل للذهب، من خلال ضبط الإنتاج، ومنع التهريب، وتعظيم حصائل الصادرات. وأرى أن ما يقوم به بنك السودان حاليًا لا يعدو أن يكون سياسات إسعافية تخفّف من حدة الأزمة مؤقتًا، لكنها لا تعالج جذور الاختلالات الاقتصادية، ولا توقف التلاعب بسوق الصرف.
إن المشكلة في جوهرها ليست مشكلة دولار فحسب، وإنما هي أزمة في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، ولن تُحل إلا عبر سياسات إنتاجية وتصديرية متكاملة تزيد موارد البلاد من العملات الأجنبية وتحدّ من الطلب عليها.
طرحت الغرفة التجارية عددًا من المقترحات المهمة التي تستحق الدراسة، من بينها:
طرح برامج لشراء الذهب بأسعار جذابة وشفافة من المنتجين.
إصدار شهادات استثمار مدعومة بالذهب كوعاء ادخاري رسمي.
تفعيل آليات المقايضة بين الذهب والسلع الاستراتيجية لتقليل الطلب على الدولار.
تقديم حوافز تصدير مماثلة لتلك التي نجحت مع صادر الذهب.
خفض الرسوم الحكومية البالغة 28% بصورة مؤقتة خلال الأزمات، كما تفعل كثير من الدول.
وهي مقترحات قيمة، وآمل أن تجد آذانًا صاغية لدى الحكومة، وأن تكون بداية لحوار اقتصادي مؤسسي بين الدولة والقطاع الخاص. وإن اختلفنا مع الغرفة التجارية في بعض الأرقام أو في تشخيص بعض أسباب الأزمة، فإن ذلك لا يقلل من أهمية الحوار ولا من قيمة المقترحات التي قدمتها.
٧
ما يجمعنا جميعًا هو البحث عن حلول حقيقية تعيد الاستقرار إلى الاقتصاد الوطني، بعيدًا عن المواقف المسبقة أو الانتصار للرأي. ولعل الخطوة الأولى في أي حوار اقتصادي ناجح هي الاتفاق على الحقائق والأرقام، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه السياسات السليمة وتُصاغ على هديها المعالجات الرشيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى