حميدتي في أديس وإثيوبيا تدخل الحرب

فيما ارى
عادل الباز
1
في الوقت الذي تتصاعد فيه الهجمات ضد السودان انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية، وصل أمس المتمرد حميدتي إلى أديس أبابا.
فعلت إثيوبيا لحميدتي كل شيء من أجل أن ينتصر في حربه ضد السودان. فمنذ بداية الحرب، دعا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى حظر الطيران والأسلحة الثقيلة عن الجيش السوداني، ثم مضت إثيوبيا في مساواة المليشيا بالجيش السوداني، في إشارة إلى عدم الاعتراف بالحكومة في السودان، بعد أن ساهمت في تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي.
انتقلت إثيوبيا من مرحلة العداء السياسي إلى مرحلة الدخول المباشر في الحرب لصالح التمرد؛ فبدأت الطائرات الإماراتية تهبط في مطارات إثيوبيا، لتُعاد تعبئتها بالأسلحة في طريقها إلى أوغندا ومنها إلى نيالا.
ثم تقدمت خطوة أخرى، ففتحت معسكرات التدريب في أصوصا، واستقبلت الآلاف من جنود المليشيا والمرتزقة، وعشرات المدربين الإسرائيليين. ثم سارعت إلى دعم المليشيا بفتح أراضيها لانطلاق متحركاتها لتهديد المدن الحدودية، مما ساعد في احتلال الكرمك وقيسان الأسبوع الماضي.
ومؤخرًا بدأت مرحلة أخرى بإطلاق المسيّرات من داخل العمق الإثيوبي، مما يعني مساهمتها في العدوان العسكري ضد السودان، وهو ما سماه الأستاذ عثمان ميرغني: «الشرق الأوسط بحرب الظل».
لم يتبقَّ لإثيوبيا إلا حشد الآلاف من جنودها والزحف على السودان. وقبل أن يقدم آبي احمد على هذه الخطوة، عليه أن يراجع التاريخ المدوّن جيدًا منذ عام
1889.
2
*تصريحات الـبلباص*
في أحدث تصريح لمسعد بولس البلباص، قال: «الولايات المتحدة تدين الغارات الجوية للجيش السوداني داخل تشاد». وقال مسعد بولس إنه أجرى اتصالًا بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي وكتب على منصة، “We discussed the recent SAF aerial strike on Chad…”.
هكذا، وكعادته، سارع مسعد بولس إلى إدانة السودان قبل أن تنطق الدولة التي ادعى أن السودان اعتدى عليها، وهي تشاد. وفي أحدث موقف له، قال إنه أجرى اتصالًا بالرئيس التشادي، وأضاف أنه أكد «القلق العميق» للولايات المتحدة من امتداد الحرب السودانية عبر الحدود، بما يؤدي إلى مزيد من التصعيد وتهديد السلام والاستقرار الإقليميين.
واللافت هنا أن بولس لم يقل: «الغارة المزعومة» أو «بحسب تشاد»، وإنما نسب الضربة مباشرة إلى القوات المسلحة السودانية، رغم أن الجيش لم يكن قد أعلن مسؤوليته عنها، ولا تشاد التي قالت إنها تحقق في الحادث.
لكن لماذا يفعل بولس ذلك؟ يحاول بولس أن يفرض أجندته التي عجز عن فرضها عبر الرباعية والخماسية وكل مؤتمرات الشتات التي ظل يطوف بها دون جدوى. وكذلك لم ينسَ في تغريدته أن يدس سمه بالدعوة إلى هدنة إنسانية، وهي دعوة قديمة ألحّ عليها ، وأضاف إليها الآن ترهاته التي دلقها في آخر اجتماع لمجلس أمن بخصوص السودان، وطالب فيها بتوسيع حظر الأسلحة على السودان، متجاوزًا القرار 1591.
وصدق الدكتور أمجد فريد حين قال إن تصريحات بولس «تتجلى فيها أعلى درجات ازدواجية المعايير والتناقض، بل والاستخفاف والجهل بقواعد القانون الدولي». ولكن من يأبه للقانون الدولي أصلًا في زمن التفاهة هذا يا امجد.؟ فما دام المال السياسي القذر لدى متوفر للكفيل، فإنه يستطيع شراء المستشارين والمبعوثين وقادة الدول.
يكفيك أن تنظر إلى مواقف بريطانيا، التي كانت عظمى فتحولت إلى مجرد أداة في يد الإمارات؛ تقودها إلى مشاريع قرارات في مجلس الأمن، وإذا فشلت، ذهبت بها إلى مجلس حقوق الإنسان وحشدت الدول لأجندتها.
ولم يكتفِ هذا البلباص في تغريدته بدعوته إلى الهدنة، وإنما سارع إلى تكرار دعوته بتوسيع نطاق القرار 1591 الخاص بحظر الأسلحة ليشمل كل السودان، بعد أن كان محصورًا في دارفور، وهذه المرة تحت فرية أن «العنف توسع خارج نطاق السودان».
بولس البلباص، الذي لاذ بالصمت وغض الطرف عن آلاف الاعتداءات وقوافل السلاح التي تنطلق كل يوم من أراضي دول مجاورة لتسعر الحرب في السودان، بما فيها تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان وليبيا، ها هو يسارع، من حادثة واحدة لم تثبت صحتها، إلى إدانة السودان.
دائمًا ما تثير فيّ تصريحات هذا البلباص حالة من الغثيان، والغريب أنه لا يخجل من هذا الغثاء الذي يدلقه في كل حين على مسامعنا. الله غالب.
3
*قل يا أيها المنافقون*

تقول الوثيقة التي صدرت الاسبوع الماضى في أعقاب اجتماع مجموعة من القوى السياسية التي أشعلت الحرب باتفاقها الإطاري، وجاءت الآن تدّعي أنها قوى مناهضة للحرب قالت تلك الوثيقة: (الحوار المعلن ليس مبادرة محايدة، بل دعوة صادرة من طرف واحد من أطراف الحرب، يتحكم بتوقيته ومكانه وشروطه وأجندته ولجنته التحضيرية، وبالتالي يتحكم في وجهته).
تُرى أين كانت المبادرة المحايدة في كل الحوارات التي دارت خارج السودان؟ هل كانت الرباعية محايدة؟ أم الخماسية؟ أم مبادرة الإيغاد؟ أم الاتحاد الأفريقي؟ أين الحياد في كل المبادرات التي انخرط فيها شتات المعارضة ذاته؟
والأدهى والأمر أنهم بادروا بالحوار مع المليشيا في أديس أبابا في أولى سنوات الحرب ووقّعوا معها اتفاقًا. فهل كانت أديس أبابا محايدة؟ ألم تكن المليشيا طرفًا من أطراف الحرب؟ يا لثلة النفاق التي تنسى حتى ما توقّعه بأيديها!
ولا غرابة أن كرروا معزوفتهم المفضلة: «أي عملية ذات مصداقية يجب أن تقود إلى إبعاد المؤتمر الوطني المحلول وحركته الإسلامية وواجهاتهما من المسرح السياسي كليًا، وحل مليشياتهم المسلحة».
لماذا الأسطوانة نفسها؟ يقولون: «هذه القوى قد أسقطتها ثورة ديسمبر، وهي من أشعلت هذه الحرب واستفادت من استمرارها». وإذا لم يكونوا منافقين، فإن الأجدر بالحوار هو محاورة القوى التي أشعلت الحرب وتقودها الآن، إذا كان الهدف وقف الحرب فعلًا، لا الحوار مع الجاكومي وأردول الديمقرطيين الاحرار الذين لم يشلعوا الحرب.
أما ما أضحكني فهو قولهم: «إن الحوار الذي تدعو له الحكومة هو تكرار لحوار وثبة البشير والمؤتمر الوطني، التي وظفها النظام البائد سابقًا للالتفاف على الإرادة الشعبية».
إنني لأستغرب كيف جاز لممثل المؤتمر الشعبي، بدر الدين، أن يوقّع على حوار قاده الترابي شخصيًا، ثم ركبوا هم على ظهره وشاركوا في سلطة المؤتمر الوطني الديكتاتورية حتى سقطت! ويمتد العجب إلى السيد مبارك الفاضل، الذي صعد إلى منصب نائب رئيس الوزراء على أكتاف حوار الوثبة نفسه!
تدى ربك العجب من أناس يدينون تاريخهم ومواقفهم؛ لأجل ماذا يا ترى؟ عليهم أن يتذكروا أن التاريخ لا يزال ندِيًّا.
من هم المدعوون للحوار؟ تقول الوثيقة اياها «إن القوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها، والقوى المصطفة مع القوات المسلحة، والقوى المصطفة مع قوات الدعم السريع)».
الإسلاميون المصطفون مع القوات المسلحة معزولون، ولكن يُسمح للقوى المصطفة مع قوات الدعم السريع بالدخول إلى حلبة الحوار!! من هي، يا ترى، القوى المصطفة مع المليشيا؟ لا بد أنها «تأسيس» التي يرأسها قائد المليشيا نفسه، حميدتي!!.
أرأيتم كيف يكون منظر الاستهبال السياسي، حين يُدهن بالنفاق، عصيًّا على الفهم؟ «تأسيس» التي كانت بالأمس هي «قحت» نفسها، انشقت لتدعم المليشيا علنًا، بينما تدعم جماعة «صمود» المليشيا خلف ستار فاضح. وهؤلاء المنقسمون شكلًا سيكون لهم صوتان في أي مائدة حوار، يالذكاء المليشيا وحلفائها أو أبواقها.
وليس ذلك فحسب، بل على الحكومة أولًا أن توقف الحرب، ثم تفاوض المليشيا في مسار آخر. هكذا، إذا حققت المليشيا أي مكاسب في تفاوضها مع الحكومة في ذلك المسار، ستُضاف تلك المكاسب إلى مكاسب «تأسيس» و«صمود» وحلفائها الجدد.
وهكذا، بحسب خيالهم البائس، يستطيعون العودة إلى السلطة في سرج واحد مع المليشيا، بينما يعود الجيش إلى الثكنات، وتنحل المليشيات كلها، ما عدا مليشيا الكفيل وعويشها.
اخيرا … عزيزى القارئ عرضت عليك موقف هذه القوى الهازلة لأنني فقط لاننى احببت ان تستمتعوا بمشاهدة مسرحية من مسرح العبث ولاشك ان صموئيل بيكيت نفسه سيعجز عن تأليف نص يحتوي على مثل تلك السخافات العبثية التي حوتها وثيقة أديس أبابا، التي أشعل سدنتها الحرب ثم هربوا من جحيمها إلى شقق وفنادق الكفيل.

Exit mobile version