التيجاني عبد القادر حامد نجم افل …وفقد جلل

عبداللطيف البوني

حاطب ليل

(1)
من تداعيات انقلاب المقدم حسن حسين في 1975 …خضوع الجامعة لاحتلال عسكري كامل استمر لعدة ساعات …إذ استيقظنا ذات صباح فوجدنا اعداد ضخمة من العساكر المدججين بالسلاح منتشرة في داخليات البركس.. .فانعدمت الحركة تماما بين الداخليات … كل يبقى داخل غرفته ….عند الضحى انسحب العسكر .وكانت الإذاعة تلهج بأن هناك بيانا هاما سيذاع بعد قليل ..وكانت فحوى البيان انه قد تم العثور على كميات من السلاح في جامعة الخرطوم تحديد في دار اتحاد الطلاب …
بمجرد انسحاب العسكر لعلع مايكرفون داخل الجامعة كان يطوف به طالب الآداب عوض الجيد وهو كادر اخواني مشهور بالعنف … بأن الاتحاد سوف يلتقي بالطلاب في قهوة النشاط .. ولما كنا نعلم ان كل أعضاء اللجنة التنفيذية برئاسة داؤد بولاد قد تم اعتقالهم كنا نتساءل من الذي سيخاطب الطلاب ..فاعتلي المنصة طالب خفيف الجسم لم نره من قبل …تحدث حديثا مرتبا واصفا ما حدث في الجامعة بأنه محاولة من النظام لضم الجامعة للموسيقى الحسن حسينية (حسب تعبيره) لتصفية حساباته القديمة معها … كان الخطاب بلغة رصينة ونبرة تجمع بين التحدي والموضوعية …وحدث هرج في نهاية الخطاب علمنا ان الهدف منه تهريب ذلك المتحدث .. فأصبح ذلك الطالب حديث ذلك اليوم ..دا جابوه من وين ؟ دا كان وين …دا كادر خطير ..لقد تجاوز الحديث عنه الحدث نفسه ..ذلك الطالب كان هو التيجاني عبد القادر حامد …وللدهشة انه كان معنا في نفس الكلية ونفس السنة الدراسية… وان كان قد سبقنا في الدخول للجامعة .. ولكنه تعرض للاعتقال كثيرا واظنه تخرج معنا أو بعدنا بعام …جراء انشغاله بالعمل السياسي …إذ تراس إحدى دورات الاتحاد في سبعينات ذلك القرن ..لم ألتقيه كثيرا في قاعات المحاضرات وان كنت أشاهده خطفا ومن بعيد لبعيد في داخلية بحر العرب
(2)
وفيما بعد وقفت على كتاب أنيق الطباعة.بعنوان أصول الفكر السياسي في القرآن المكي ..اصدره معهد إسلامية المعرفة بأمريكا ومؤلفه التيجاني عبد القادر واصل الكتاب رسالة ماجستير ….فوجدت نفسي امام سفر عميق بشكل غير عادي…فكرته في غاية العمق وفي غاية الابتكار ..لم أصدق نفسي وانا اطالعه بأن مؤلفه ذلك الكادر السياسي الخطابي الإخواني الذي زاملناه في الجامعة ….لقد وضع لي ذلك الكتاب مؤلفه في مصاف كبار الفلاسفة والمفكرين العالمين وكبار المجددين في الفكر الإسلامي
(3)
في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي تعرفت عليه عن قرب عندما عاد من البعثة استاذا في جامعة الخرطوم …والتقيت به عدة مرات …ورافقته في مناقشة بعض الرسائل الجامعية ..ماجستير ودكتوراة … وتجاذبت معه الحديث في عدة قضايا وكنت امازحه بالقول بأن صورة الكادر السياسي مازالت تحجب عني صورة المفكر الهادي الرزين ..وذات مرة قابلني منزعجا وقال لي انه يريدني في مشوار هام لانه علم بأن قريبي الدكتور/ عبد الله حمدنا الله … يود الاغتراب وهو يريد اثنائه عن الهجرة هذة… لان البلاد في حاجة اليه …. ويومها كان حمدنا الله قد حرك بركة الثقافة الساكنة بحديثة عن ام درمان المدينة المصنوعة… وأغنية الحقيبة المدقعة في الحسية… وأغاني البنات كمؤشر لحركة المجتمع …ففي رأي التيجاني ان هجرة المثقفين سوف تترك المجال ليملؤه السياسيون الذين يسخرون من ( المثقفاتية ) حسب تعبيرهم الذي يقلل من شأن المثقفين …وللمفارقة قابلت التيجاني بعد أقل من سنة ..وهو يستعد للهجرة… فقلت له مذكرا …هل تترك المجال للسياسيين… فرد بالقول (هو المجال ذاته وينو) فتاكدت ان الرجل خرج مغاضبا ..
(4)
لقد ظللت متابعا لكل يصدره الدكتور التيجاني من أعمال فكرية في شكل دراسات ومقالات بمتعة وفائدة… فرغم غيابه الحسي عن البلاد الا انه ظل متابعا لشئونها متابعة لصيقة… وهو من الذين شرحوا نظام الإنقاذ تشريحا دقيقا…مثال لذلك مقاله الماتع تحالف …القبيلة والسوق والامن .. ومقاله اخوانا الصغار ..أما مقال فلياخذ السيد الرئيس عصاه وليرحل فقد بلغ شأوا لم يبلغه غيره في نقد النظام .. فهو وان كان ابن الحركة الإسلامية.. ومن الذين نشطوا داخلها… واوجدوا لها موقعا في خارطة الحركة السياسية السودانية… الا انه لم يخفي خيبة امله في تنظيمها …وكان نقده لنظام الإنقاذ مصوبا لعظمها ..لم يتناول الأشخاص إنما الممارسة …لم يسكت لم يجامل ولكنه لا يهاتر ولا يسىء..له قدرة عالية في الوصول إلى النهايات القائمة على شواهد لا يراها الا انسان ثاقب النظر عميق الفكر …
مصيبة التيجاني عبد القادر… أو بالأحرى مصيبتنا فيه… ان ناسه القدامى نجحوا في تصنيفه بأنه (خارج على الجماعة) وخصومه القدامى صنفوه بأنه (شهد شاهد من أهلها) …لقد عجزنا عن تحريره من هذا الأسر السخيف… لان تنظمياتنا وبالتالي حياتنا السياسية لامكان فيها للفكر والابداع …ولا حولا ولاقوة الا بالله العلي العظيم …
(5)
رغم انه لا يوجد تواصل خاص بيننا الا انه قد صدمني خبر وفاته …الذي قرأته في الساعات الأولى ليوم الجمعة 18من سبتمبر الجاري …وشق على نعيه واحسست أنني فقدت كاتبا مفضلا …كنت انتظر ان اقرأ له شيئا جديدا …في ظني ان التيجاني قد رحل وفي جعبته الكثير الذي يود قوله عن الحركة الإسلامية وتحولاتها…وعن السياسة السودانية واعطابها …وعن المجتمع السوداني وحيويته … فهو قليل الرجاء في السياسيين السودانيين …عريض الأمل في المجتمع السوداني … ظل مخلصا لفكرته الإسلامية ولكنه وطنها جامعا بين فلسفة الغزالي وفقه مالك فعند المالكية العرف مصدر من مصادر التشريع …كل مقالاته تضج بالحيوية… وتجبر على المتابعة …وهي عبارة عن محاولات إجابة تركض خلف اسئلة ظلت مطروحة بالحاح في فضاء هذا الوطن المنكوب بما يدور فيه… وبفقد أبنائه الخلص الميامين…
برحيله تكون البلاد قد فقدت اكاديميا حاذقا…. ومفكرا المعيا …ومثقفا نادرا … فاللهم ارحم عبدك التيجاني عبد القادر حامد واجعل قبره روضة من رياض الجنة واجعل البركة في عقبه ..وارحمنا اذا ما صرنا إلى ما صار اليه …
ما بعد النص :—
في مقال للراحل التيجاني ..نعى فيه زميله في الاتجاه الإسلامي واتحاد الطلاب الدكتور مجذوب الخليفة … حكى انهم كانوا مطاردين من السلطات المايوية …يتحركون ليلا وفي طريقهم من البركس الي كلية الطب ..توقفوا عند دكان وتعشوا بفتة فول… وطلب أحدهم زجاجة بيبسي كولا كانت بقرش ونصف …فقال له مجذوب بحزم ان مال التنظيم حده العشاء ومن أراد البيبسي فاليشربه من ماله الخاص …. هذة القصة راعت حرمة الموت بذكر حسنة للميت… الا ان للقصة بقية تركها للقاري …
القصة الثانية حكاها لي احد جلسائه …انه قابل التيجاني ذات مرة وهو في خارج من اجتماع تنظيمي عالي المستوى …وهو يتبسم … فساله عن السبب… فقال له ان احد الأعضاء من الحضور قال كلاما قويا …وبعد أن جلس اخرج حقة التنباك وكشح السفة في فمه.. ففي رأي التيجاني ان هذا يدل على الفكرة الإسلامية قد تمطت …..
هكذا التيجاني حتى عندما يتناول المواضيع العادية يوحي لك بالكثير ويجبرك على التأمل والتفكير

Exit mobile version