عمر الحبر يوسف
باديَ الرأي وأنت تستمع لحديث لحمدوك بنبرات صوته الهادئة وتقطيعه للكلام بوقفات متتابعة في انتظام، ربما حسبتَ في الرجل تَحسُّباً لخطورة (الكلمة) ويقظةً ووعياً بما يريد قوله مع غير قليل من تدقيق.
يزول عنكَ كلُّ هذا الوهم عن حقيقة حمدوك متى ما تجاوزتَ عَرَض الطريقة الأدائيَّة في الكلام إلى فحصِ الكلامِ نفسِه ومحاولتك فهمِه.
الرجل يفضح نفسَه بكلامه بما يُغني مُتَّهموه عن اجتهادهم في حشد أدلةٍ ليفضحوه، فلا يبلغ المُتَّهمون لحمدوك من فضحه ما يبلغه هو من فضح نفسِه بنفسِه!!
في ندوة لندن الأخيرة قال حمدوك ما هذا نصُّه : ” الإمارات أكتر دولة واقفة بشكل استراتيجي ضد تيار الإسلام السياسي ونحنا بنلتقي مع الإمارات في دا”
وكان قد مَهّد لهذا الكلام بحديثٍ عن الدعم الخارجي للحرب فسمَّى دولاً منها مصر والسعودية وإيران وقطر وتركيا ثم أتبع ذلك بأن الناس إذا تأمَّلوا في الدعم الخارجي سيجدون “دولة واحدة في سايد” _ وقطعاً الإشارة هنا للإمارات والسايد هنا هو المليشيا_ والبقية كلها في الجانب الآخر.
وبالتالي فمصر والسعودية والآخرون _ بحسب حمدوك_ في غير (سايد) المليشيا، وفي غير (سايد) حرب تيار الإسلام السياسي في السودان، وفي غير (سايد) موقف حمدوك وشُلَّته المُلتقِي مع الإمارات في تلك الحرب، وفي غير (سايد) الموقف الاستراتيجي للإمارات ضد تيار الإسلام السياسي!!
ولا يَخفى على أحد أنَّ تيار “الإسلام السياسي” المقصود به الحركات الإسلامية المُشتغلِة بالسياسة، ولا يَخفى على أحد كذلك أن السعودية ومصر تَحظرانِ نشاط الحركات الإسلامية وتُجرِّمانِهِ داخلها.
بل إنَّ شُلَّة حمدوك نفسها هم أكثر من ردَّدوا الكلام عن أن الحركة الإسلامية “تيار الإسلام السياسي” هي حركة معزولة في إقليمنا كُلِّه بتهمة الإرهاب، وكانوا يذكرون في مقدمة دول الإقليم التي تصنِّف الحركة الإسلامية “تيار الإسلام السياسي” بالإرهاب مصر والسعودية!!
هل هناك تناقض الآن في الخطاب عند شُلَّة حمدوك في حقيقة رؤيتهم لموقف مصر والسعودية من “تيار الإسلام السياسي”؟!
لا ليس ثمَّة تناقض هنا بل ثَمَّة فضيحة!!
والفضيحة كالآتي:
نعم مصر والسعودية تحظرانِ نشاط تيار الإسلام السياسي وقد تعتقلانِ قياداته وقد تصنِّفانِه بالإرهاب ووو لكن كل هذا الموقف الشديد منهما تجاه الإسلام السياسي، ليس كافياً، ليس بالشكل المطلوب، أو ليس ب”الشكل الاستراتيجي” فهو موقف (داخلي محدود).
“الشكل الاستراتيجي” للموقف ضد تيار الإسلام السياسي هو عند دولة واحدة في المنطقة وهي (الإمارات)!!
“الشكل الاستراتيجي” ضد تيار الإسلام السياسي هو (الخارجي المفتوح) ينبغي أن يكون عابراً لحدود الجغرافيا، منتهكاً لسيادة الدول، مُفْتئِتاً على حقوق الشعوب، متجاوزاً لكل خطوط لا يُبالي بآثار فوضى “شكله الاستراتيجي” ذلك من تقسيمِ أوطانٍ وانتهاكِ حرمات وتهجيرٍ ونهبٍ وخراب.
والحق أن “الشكل الاستراتيجي” هذا الذي يتحدَّث عنه حمدوك هو (تصميم) جاهز، و بالضرورة هو مدروس ومُخطَّط له، وله أدواته وطرائقه في العمل وله تجاربه.
هذا الشكل (المُصمَّم الجاهز ) من تجاربه في اليمن والسودان وليبيا هو طريقة واحدة مُستنسخة لا تختلف إلا في أسماء الشخوص واللافتات.
هو لا يخرج أبداً عن مرتزقة من المليشيات المقاتلة، ومن سياسيين رخيصين، ومن أبواق إعلام وَضِيعين، ومن أدعياء دعوة سلفيَّة هم بعض تيار مَدْخليّ دخيل، ومن مُتعمِّمين عليهم عباءات بيوتات الدين ورئاسات القبيلة.
فحميدتي وحمدوك وعبد المنعم سليمان ومزمل فقيري وإبراهيم الميرغني وحفيد علي دينار كلُّ أولئك منهم نُسخٌ حاضرة الآن في اليمن وحاضرة في ليبيا، وستحضر في كل مكان تقرِّر فيه الإمارات تطبيق “شكل موقفها الاستراتيجي” في حربها على تيار الإسلام السياسي!!
وحمدوك عندما يقول لسامعيه في ندوة لندن : (ونحنا بنلتقي مع الإمارات في دا) إنما يقول لهم : (نحنا أدوات الإمارات في دا)، يقول لهم وهو لا يخشى عُقبَى الفضيحة (نحن تلكم الأدوات الرخيصة في ذلك الموقف الاستراتيجي للإمارات!!) فيصفِّق له الحاضرون السُّذَّج ويقابل هو تصفيقهم له بابتسامةِ أبله يفضح نفسه ب”شكل استرايجي”!!