روح متجددة
بقلم: عصماء عاصم
نُحسن أحيانًا إلى من يسيء الظنّ بنا، فنجد في إحساننا تهمة، ونقول الحقّ فيُفتَّش عن غرضٍ وراءه، ونصمت حين لا نجد في الكلام ما يستحقّ أن يُقال، فيتولّى الآخرون تأليف الحكاية نيابةً عنّا. وما بين ما قصدناه وما انتهى إليهم، تنشأ مسافةٌ لا يردمها دائمًا صدق النيّة، ولا تسدّها كثرة الشروح.
ولعلّ أكثر ما يُربكنا في هذه المسافة أنّنا نتصوّر وضوحنا ضمانًا لسوء الفهم، كأنّ المعنى الذي نُخرجه من صدورنا ينبغي أن يصل إلى الآخرين بالصورة ذاتها التي غادرنا بها. غير أنّ الكلمات لا تعبر إلى القلوب في فراغ؛ تستقبلها نفوسٌ لها تاريخها، ومخاوفها، وأحكامها السابقة، فيرى كلّ امرئٍ من القول ما تسمح له رؤيته، وقد يُحمّل العبارة البريئة ما لم تحتمله، أو يصرف الفعل عن وجهته إلى وجهةٍ ألِفها في نفسه.
وحين يحدث ذلك، نهرع إلى التفسير، لا لنكشف الحقيقة فحسب، بل لنستعيد السيطرة على صورتنا في أذهان الناس. نريد أن نكون مفهومين، وأن تصل مقاصدنا سالمةً من التأويل، وأن نُرى كما نرى أنفسنا؛ فإذا عجزنا عن ذلك، أقلقنا أن تستقرّ في ذاكرة أحدهم صورةٌ لا تشبهنا، كأنّ وجودنا ينتقص منه شيءٌ كلّما أخطأ إنسانٌ في قراءتنا.
لكنّ الأمر الذي يغيب عنّا أنّنا لسنا دائمًا على معرفةٍ تامّة بأنفسنا. قد نُحسن فعلًا ونكتشف أنّ وراء إحساننا رغبةً خفيّة في التقدير، وقد نغضب فنحسب غضبنا دفاعًا عن الحقّ، ثم نرى، بعد أن تهدأ نفوسنا، أنّ في الأمر جرحًا قديمًا استيقظ. وكم من موقفٍ حسبناه واضح الدلالة، ثم أعادت إليه الأيام معنىً لم نكن نراه ساعة وقوعه. فإذا كانت دواخلنا، وهي أقرب الأشياء إلينا، تحتاج أحيانًا إلى زمنٍ كي نفهمها، فكيف نطلب من الآخرين أن يدركونا إدراكًا كاملًا من ظاهر أقوالنا وأفعالنا؟
وليس في هذا ما يُسقط عنّا مسؤولية ما نفعل، أو يجعل كلّ تأويلٍ جائرًا وكلّ ظنٍّ باطلًا؛ فثمّة أفعالٌ تُسيء وإن حسنت النيّات، وأخطاءٌ لا يُصلحها التذرّع بحسن القصد. غير أنّ الإنصاف يقتضي ألّا نساوي بين ما وقع وما افترضناه، ولا بين خطأٍ ثبت ونيّةٍ اخترعناها، كما يقتضي منّا أن نُراجع أنفسنا دون أن نستسلم لكلّ حكمٍ يصدر علينا.
لعلّ النضج يبدأ حين نكفّ عن مطالبة العالم بأن يكون مرآةً صافيةً لنا، وحين ندرك أنّ حقّنا في أن نُفهم لا يمنحنا سلطةً على عقول الآخرين، كما أنّ حقّهم في التأويل لا يمنحهم ملكية الحقيقة عنّا. عندها يصبح التوضيح اختيارًا لا استجداءً، والمراجعة شجاعةً لا محاكمةً دائمة، ونستردّ من ضجيج الظنون المساحة التي ينبغي أن تبقى لنا لنعيش، لا لنظلّ نشرح أنفسنا.
فلماذا نعتبر فهم الآخرين لنا حقًّا مكتسبًا، مع أننا لا نستطيع حتى أن نضمن لأنفسنا فهمًا كاملًا لدواخلنا؟