د.مروة فؤاد قباني
يأتي القرار رقم (74) لسنة 2026 م بحظر إستيراد 34 سلعة في توقيت بالغ التعقيد يعيشه السودان، حيث تتداخل الحرب مع الانهيار الاقتصادي وتراجع الإنتاج وتفاقم أزمة النقد الأجنبي. فالسلطات تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تقليل الضغط على الدولار والحد من تدهور قيمة الجنيه، إلا أن فعالية القرار تبقى مرتبطة بواقع اقتصادي هش فرضته ظروف الحرب وتوقف أجزاء واسعة من النشاط الإنتاجي والتجاري.
من الناحية النقدية، يعكس القرار حجم الأزمة في موارد البلاد من العملات الأجنبية، إذ أصبحت الواردات تمثل عبئًا كبيرًا في ظل تراجع الصادرات وتعطل قطاعات رئيسية كانت توفر النقد الأجنبي، إضافة إلى ضعف التحويلات والاستثمارات. لذلك تراهن الحكومة على خفض فاتورة الاستيراد لتقليل الطلب على الدولار وكبح السوق الموازي. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات الإدارية وحدها لا تكفي، إذ قد تؤدي إلى توسع التجارة غير الرسمية وزيادة المضاربات إذا لم تتوفر مصادر حقيقية ومستدامة للعملات الأجنبية.
أما القطاع المصرفي، فيواجه ضغوطًا مضاعفة نتيجة الحرب وتراجع الثقة وضعف السيولة وتعطل عدد من الفروع والخدمات في بعض المناطق. كما يجد نفسه أمام فجوة كبيرة بين السعر الرسمي للعملة والسعر الموازي، ما يحد من قدرته على جذب التحويلات والمدخرات عبر القنوات الرسمية. ومن شأن قرار تقليص الواردات أن يخفف جزئيًا الطلب على النقد الأجنبي داخل الجهاز المصرفي، لكنه لا يعالج أصل المشكلة المتمثلة في ضعف تدفقات العملات الأجنبية وشح الموارد المتاحة للبنوك، كما قد يدفع إستمرار القيود مزيدًا من المتعاملين نحو السوق غير الرسمي.
وفي هذا السياق، يقع على عاتق البنك المركزي دور محوري في إدارة السياسة النقدية وسوق الصرف، عبر العمل على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وتحفيز التحويلات عبر القنوات المصرفية، وإعادة الثقة في النظام البنكي. كما أن أي نجاح لقرار الحظر يتطلب تنسيقًا مباشرًا بين البنك المركزي والمصارف التجارية لضمان توجيه الموارد المحدودة نحو استيراد السلع الاستراتيجية ومدخلات الإنتاج.
أما وزارة المالية، فتواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على الإيرادات العامة في ظل انكماش النشاط الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تمويل الإنفاق الحكومي الضروري خلال الحرب. إذ إن تراجع الواردات قد يؤدي إلى انخفاض الرسوم الجمركية والإيرادات المرتبطة بالتجارة الخارجية، ما يضع ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة. لذلك تصبح الحاجة ملحة لتوسيع القاعدة الضريبية، وضبط الإنفاق، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية والخدمية ذات الأولوية.
وفي المقابل، تتحمل وزارة الصناعة مسؤولية تحويل القرار من مجرد أداة تقييدية إلى فرصة اقتصادية حقيقية، وذلك عبر وضع خطة عاجلة لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وتوفير الطاقة والتمويل ومدخلات الإنتاج، وتحديد السلع التي يمكن إحلالها محليًا خلال مدى زمني واقعي. فغياب الرؤية الصناعية الواضحة قد يجعل الحظر سببًا في نقص السلع وارتفاع أسعارها بدلًا من تعزيز الإنتاج الوطني.
وعلى مستوى القطاع الخاص، فإن القرار يضع الشركات والتجار أمام تحديات جديدة، خاصة المستوردين وشبكات التوزيع التي تعتمد على السلع الخارجية. كما أن غياب التشاور المسبق مع مجتمع الأعمال قد يضعف الثقة في بيئة الاستثمار ويزيد حالة عدم اليقين. وفي المقابل، يمكن أن يفتح القرار فرصًا لبعض المنتجين المحليين لزيادة حصتهم في السوق، لكن ذلك يظل مرهونًا بقدرتهم على الإنتاج المستقر في ظل صعوبات التمويل والطاقة والنقل وارتفاع تكلفة التشغيل.
وفي جانب الإنتاج المحلي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالحرب ألحقت أضرارًا بالمصانع وسلاسل الإمداد والبنية التحتية، ما يعني أن التعويل السريع على البديل الوطني قد لا يكون واقعيًا في كثير من القطاعات. بعض الصناعات قد تستفيد من تقليص المنافسة المستوردة، لكن قطاعات أخرى ما زالت بحاجة إلى مواد خام ومدخلات إنتاج مستوردة، ما يجعل أي قيود غير مدروسة سببًا في تعطيل الإنتاج بدلًا من دعمه.
كما أن الأثر الاجتماعي للقرار لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي، إذ إن أي نقص في السلع أو ارتفاع في الأسعار سينعكس مباشرة على المواطنين الذين يواجهون أصلًا مستويات مرتفعة من الفقر والبطالة وتراجع الخدمات. وفي ظروف الحرب، تصبح مسألة الأمن الغذائي وتوفير الاحتياجات الأساسية أكثر حساسية من أي وقت مضى.
في المحصلة، يكشف القرار أن حكومة السودان تحاول إدارة أزمة متعددة الأبعاد بأدوات إسعافية قصيرة المدى. فحظر الاستيراد قد يمنح الاقتصاد متنفسًا محدودًا، لكنه لن يشكل حلًا دائمًا ما لم يصاحبه تنسيق فعال بين وزارة المالية ووزارة الصناعة والبنك المركزي، إلى جانب إصلاح القطاع المصرفي، وإعادة تشغيل الإنتاج، ودعم القطاع الخاص، وتنشيط الصادرات، وجذب التحويلات، واستعادة الاستقرار الأمني. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في تقليل الواردات، بل في إعادة بناء اقتصاد قادر على الإنتاج وتوليد النقد الأجنبي في زمن الحرب وما بعدها.