حظر الاستيراد في السودان.. غرفة المستوردين: السلع لم تختفِ بل انتقلت إلى التهريب
Mazin
الأحداث – سماح طه عاد قرار حظر استيراد السلع في السودان إلى دائرة الجدل الاقتصادي، بعد أن اعتبرت الغرفة القومية للمستوردين أن ما أعلنته وزارة الصناعة والتجارة بشأن تسرب سلع غير مستوفية لضوابط الاستيراد إلى الأسواق عبر التهريب والاستيراد الشخصي يمثل تأكيداً رسمياً لتحذيرات سابقة أطلقتها الغرفة منذ أبريل ومايو الماضيين. وترى الغرفة أن المشكلة لا تكمن في وجود سلع مخالفة داخل الأسواق فحسب، وإنما في السياسة التي دفعت، بحسب تقديرها، جزءاً من النشاط التجاري من القنوات الرسمية إلى مسارات غير رسمية، من بينها التهريب والاستيراد الشخصي وتأجير السجلات. وتقول إن استمرار هذه السياسة لا يعني اختفاء السلع المطلوبة من السوق، بل تغيير طريقة دخولها، بما يضعف قدرة الدولة على الرقابة والتحصيل الجمركي والضريبي ومعرفة حجم التجارة الفعلي. ويعيد هذا الموقف فتح السؤال حول جدوى سياسة الحظر التي بدأت في أبريل بهدف الحد من الطلب على النقد الأجنبي والسيطرة على تدهور سعر الصرف، في وقت يؤكد فيه اقتصاديون أن أزمة العملة السودانية أوسع من فاتورة الواردات، وأن علاجها يحتاج إلى زيادة الإنتاج والصادرات وتوفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي. قرار الحظر.. البداية والهدف صدر قرار حكومي في أبريل بحظر استيراد مجموعة واسعة من السلع التي وصفت بأنها كمالية أو غير أساسية، في محاولة للحد من الطلب على الدولار وتشجيع الإنتاج المحلي ودعم الاقتصاد الوطني. وتراوحت التقارير حول عدد السلع المشمولة بين أكثر من أربعين و46 سلعة، قبل أن تعلن وزارة الصناعة والتجارة لاحقاً بدء تنفيذ حظر استيراد 34 سلعة كمالية اعتباراً من مايو. وجاء القرار في وقت كان فيه الجنيه السوداني يتعرض لضغوط حادة، بينما تراجعت القدرة الإنتاجية للاقتصاد بفعل الحرب وتضررت قطاعات واسعة من النشاط الصناعي والتجاري والزراعي. وكان الهدف المعلن من تقليص الواردات هو تخفيف الضغط على النقد الأجنبي، خصوصاً أن الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد يمثل أحد مصادر الضغط على سوق الصرف. لكن منذ اللحظة الأولى أثار القرار اعتراضات غرفة المستوردين، التي حذرت من أن حظر السلع المطلوبة في السوق يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار والندرة وتشجيع التهريب والاحتكار. الغرفة: الحظر لا يلغي الطلب تضع الغرفة القومية للمستوردين هذه الفكرة في قلب موقفها. فالسلعة، بحسب رؤيتها، لا تختفي من السوق لمجرد أن الدولة أصدرت قراراً بمنع استيرادها. إذا ظل المستهلك بحاجة إليها، ولم يكن هناك إنتاج محلي قادر على توفير البديل بالكميات والأسعار المناسبة، فإن السوق سيبحث عن طريقة أخرى لتوفيرها. وتقول الغرفة إن هذه الطرق تشمل التهريب والاستيراد الشخصي وتأجير السجلات، وهي ممارسات ترى أنها توسعت نتيجة القيود المفروضة على الاستيراد الرسمي، إلى جانب قرار حظر 47 سلعة بحسب بيانها الأخير. وبذلك، فإن ما يتغير، وفق الغرفة، ليس حجم الطلب بالضرورة، وإنما قناة الاستيراد. ومن هنا تعتبر الغرفة تصريحات وزارة الصناعة والتجارة حول دخول سلع غير مطابقة للمواصفات عبر القنوات غير الرسمية اعترافاً بصحة تحذيراتها السابقة. من القناة الرسمية إلى المسار غير الرسمي تكمن المشكلة الأساسية، بحسب الغرفة، في أن الدولة تكون أكثر قدرة على معرفة ومراقبة السلعة عندما تدخل عبر القنوات الرسمية. فالاستيراد الرسمي يمر بإجراءات جمركية ومصرفية ومستندية، ويتيح للجهات المختصة معرفة مصدر السلعة وكميتها وقيمتها، كما يتيح إخضاعها للمواصفات والرقابة. أما عندما تنتقل السلعة إلى التهريب، فإن الدولة تفقد جزءاً كبيراً من هذه القدرة. ولهذا تقول الغرفة إن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على مطاردة البضائع وحجزها أو تشديد الرقابة على المعابر والمحطات الجمركية، لأن هذه الإجراءات، حتى إذا كانت ضرورية، لا تعالج السبب الاقتصادي الذي دفع النشاط إلى خارج النظام الرسمي. خسارة مزدوجة للدولة تطرح الغرفة في بيانها ما تعتبره واحدة من أخطر نتائج الحظر: الدولة قد تخسر السلعة والإيراد والرقابة في الوقت نفسه. فعندما تدخل السلعة بصورة قانونية، تحصل الدولة على الرسوم الجمركية والضرائب، وتسجل بياناتها ضمن حركة التجارة الرسمية. لكن عندما تدخل بالتهريب، فإن هذه الإيرادات تضيع، كما يصعب على الدولة معرفة حجم الواردات الحقيقية. ولا تقف الخسارة عند الإيرادات؛ فغياب البيانات يضعف قدرة الحكومة على التخطيط الاقتصادي، لأن حجم الطلب الفعلي على سلعة معينة قد يكون أكبر بكثير من حجم الواردات المسجلة رسمياً. وبالتالي، قد تنخفض أرقام الاستيراد في السجلات دون أن يعني ذلك بالضرورة انخفاض استهلاك السوق بالنسبة نفسها. المستهلك.. الطرف الأكثر تعرضاً للخطر تحذر الغرفة من أن الحظر لا يحمي المستهلك بالضرورة. فالسلعة التي تدخل عبر القنوات الرسمية يمكن إخضاعها للمواصفات والرقابة، بينما قد تدخل السلعة المهربة من دون المرور بالضوابط نفسها. كما أن تكاليف التهريب والمخاطر المرتبطة به قد تنعكس على السعر النهائي، ليجد المواطن نفسه أمام سلعة أعلى سعراً وأقل جودة وربما أكثر خطورة على صحته أو البيئة. وتعتبر الغرفة أن حماية المستهلك تتحقق عبر فتح الاستيراد الرسمي وتنظيمه، وليس عبر ترك السوق للمهربين. وتقترح في هذا السياق إخضاع جميع السلع للمواصفات والرقابة، وتطبيق نظام إدارة المخاطر، وتشديد العقوبات على المخالفين، مع ترك المنافسة تعمل في إطار قانوني واضح. التهريب.. لماذا يزداد؟ ترى الغرفة أن التهريب ليس ظاهرة منفصلة عن السياسة التجارية. فكلما ارتفعت تكلفة الاستيراد الرسمي أو زادت الإجراءات أو اتسعت قائمة السلع المحظورة، زادت الحوافز أمام بعض التجار للبحث عن قنوات بديلة. وفي هذا السياق، تضع الغرفة «العفش الشخصي» ضمن الظاهرة نفسها، وترفض معالجة الاستيراد الشخصي بإضافة مزيد من الإجراءات البيروقراطية. وتقول إن معالجة الظاهرة تبدأ من معالجة أسبابها، وفي مقدمتها القيود والحظر وتعقيد الاستيراد الرسمي وارتفاع تكلفته. المواصفات.. مفارقة الحظر تثير الغرفة مفارقة مهمة في قضية المواصفات. فالحكومة تريد حماية المستهلك من السلع غير المطابقة، لكن حظر الاستيراد الرسمي يمكن، بحسب الغرفة، أن يدفع السلعة نفسها إلى الدخول من طريق لا تخضع فيه للرقابة. وهنا تصبح السياسة أمام نتيجة عكسية: بدلاً من أن تمر السلعة عبر المسار الذي تستطيع فيه الدولة فحصها، تدخل من مسار يصعب إخضاعه للمواصفات. ولهذا تؤكد الغرفة أن حماية المواصفات لا تبدأ من منع السلعة، وإنما من إدخالها عبر قناة يمكن للدولة مراقبتها. المنافسة في مواجهة الاحتكار تحذر الغرفة أيضاً من أن استمرار القيود قد يؤدي إلى إضعاف المنافسة وخلق بيئة للاحتكار. فإذا حُظرت السلعة على معظم المستوردين، وبقيت مطلوبة في السوق، فإن الجهات القليلة التي تستطيع توفيرها، سواء عبر الاستثناءات أو القنوات غير الرسمية، تصبح في وضع أقوى لتحديد السعر. وقد سبق أن حذرت الغرفة عند صدور القرار من أن الحظر سيؤدي إلى تقليص المنافسة وخلق الندرة وتشجيع التهريب والاحتكار. وفي بيانها الجديد، تعود الغرفة إلى ملف الاستثناءات التي صدرت رسمياً بشأن السلع المحظورة، معلنة أنها ستتناوله بالتفصيل، بسبب ما تراه من آثار محتملة على العدالة والمنافسة بين المستوردين. الاستثناءات.. سؤال العدالة يكتسب ملف الاستثناءات أهمية خاصة عندما تكون السلعة محظورة على عموم المستوردين، بينما يسمح لجهات محددة باستيرادها. فالسؤال هنا لا يتعلق فقط بالحاجة إلى السلعة، وإنما بمعايير منح الاستثناءات، ومدى وضوحها، وهل تتاح الفرصة نفسها لكل المستوردين أم لا. وترى الغرفة أن الاستثناءات يمكن أن تخلق تفاوتاً بين المتعاملين في السوق، وقد تمهد لظهور مراكز احتكارية. ولهذا فإن أي مراجعة للحظر، بحسب المنطق الذي تطرحه الغرفة، يجب ألا تقتصر على قائمة السلع، وإنما تشمل أيضاً آلية الاستثناءات ومعايير منحها وآثارها على المنافسة. الدولار.. هل حقق الحظر هدفه؟ أقوى الحجج التي تطرحها الغرفة تتعلق بسعر الصرف. وتقول إن أحد المبررات الأساسية لسياسة الحظر كان السيطرة على سعر الصرف، وإن سعر الدولار كان في حدود أربعة آلاف جنيه عند صدور القرار، بينما وصل، وفق بيانها الصادر اليوم، إلى نحو 6100 جنيه. وبناءً على هذه الأرقام، تحسب الغرفة تدهور قيمة الجنيه بنحو 52.5 في المائة خلال أقل من أربعة أشهر، وتعتبر ذلك دليلاً على أن الحظر لم يحقق هدفه المعلن في استقرار سعر الصرف. لكن هذه النتيجة تحتاج إلى قراءة اقتصادية متأنية. فسعر الصرف السوداني لا تحدده الواردات وحدها، وإنما تتداخل فيه عوامل الحرب، وتراجع الإنتاج، وحجم الصادرات، وتدفقات النقد الأجنبي، وحركة الذهب، والتحويلات، والسياسات النقدية والمالية، ونشاط السوق الموازي. لذلك، فإن ارتفاع الدولار بعد قرار الحظر لا يكفي وحده لإثبات أن الحظر تسبب في تراجع الجنيه، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى نجاح السياسة في تحقيق الهدف الذي أعلنت من أجله. عبدالوهاب جمعة.. الحظر يعالج الأعراض لا المرض ويجد موقف الغرفة صدى في آراء اقتصادية سابقة. ففي سياق الجدل الذي أعقب قرار حظر استيراد 46 سلعة، قال الباحث الاقتصادي السوداني عبدالوهاب جمعة إن سياسات الحظر في السودان بدأت منذ عام 2011، لكنها لم تنجح في تحقيق الاستقرار لأنها، بحسب توصيفه، «تعالج الأعراض لا الأمراض». وتكتسب هذه الإفادة أهمية في سياق التقرير لأنها لا تأتي من الغرفة نفسها، وإنما من محلل اقتصادي تناول القرار من زاوية أوسع. ويعني هذا الطرح أن المشكلة لا تكمن فقط في السلع التي تدخل البلاد، وإنما في الاختلالات التي تجعل الاقتصاد يعتمد على الاستيراد، بينما تعاني الصادرات والإنتاج والنقد الأجنبي من ضعف شديد. وبالتالي، فإن حظر سلعة قد يقلل الطلب على الدولار المرتبط بها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة معالجة الأسباب التي تجعل سعر الصرف نفسه عرضة للتدهور. حماية الصناعة.. هل تبدأ من الحظر؟ لا تختلف الغرفة مع مبدأ دعم الإنتاج المحلي. فالاقتصاد السوداني، خصوصاً في ظروف الحرب، يحتاج إلى تقليل الاعتماد على الخارج وزيادة الإنتاج المحلي. لكن السؤال هو: هل تستطيع الصناعة المحلية في الوقت الراهن توفير البديل؟ إذا كانت المصانع متوقفة أو تعمل بطاقة محدودة، ومدخلات الإنتاج نفسها تحتاج إلى الاستيراد، فإن منع المنتجات النهائية قد لا يؤدي تلقائياً إلى نمو الإنتاج المحلي. وقد يرفع في المقابل تكلفة السلع المتاحة. ولهذا فإن الحماية الصناعية الفعالة تحتاج إلى حزمة متكاملة تشمل الكهرباء، والتمويل، ومدخلات الإنتاج، والنقل، والبنية التحتية، والاستقرار التشريعي والضريبي، وليس مجرد منع المنتج المنافس. الاقتصاد غير الرسمي يتوسع تحذر الغرفة من أن استمرار القيود قد يؤدي إلى اتساع الاقتصاد غير الرسمي. والاقتصاد غير الرسمي لا يعني فقط التهريب؛ بل يشمل نشاطاً تجارياً لا يمر بكامل الدورة الرسمية للترخيص والتسجيل والضرائب والجمارك والرقابة. وكلما توسعت هذه المساحة، أصبحت الدولة أقل قدرة على معرفة حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي. كما يزداد العبء على التجار الذين يعملون بصورة رسمية، لأنهم يتحملون تكلفة الإجراءات والضرائب والرسوم بينما ينافسهم نشاط لا يتحمل التكاليف نفسها. فقدان ثقة القطاع الخاص تلفت الغرفة أيضاً إلى أثر آخر لا يظهر مباشرة في أسعار السلع، وهو تراجع ثقة القطاع الخاص في السياسات الحكومية. فالمستورد أو المستثمر يحتاج إلى قدر من الاستقرار في السياسات حتى يستطيع اتخاذ قرار تجاري يمتد لعدة أشهر أو سنوات. أما تغير القوائم، وصدور قرارات بالحظر أو الاستثناء، وتعدد المطلوبات والإجراءات، فيمكن أن يجعل الاستثمار في التجارة الخارجية أكثر مخاطرة. وترى الغرفة أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى إغلاق بعض الأسواق المتخصصة وإضعاف قدرة القطاع الخاص على التخطيط. ماذا تقترح الغرفة؟ لا تدعو الغرفة إلى استيراد بلا ضوابط، وإنما إلى تغيير فلسفة إدارة الاستيراد. وتطالب بإلغاء قرار حظر السلع، وإجراء مراجعة شاملة للسياسات المنظمة للاستيراد، والانتقال من سياسة تقوم على المنع والتقييد إلى سياسة تعتمد على التنظيم والتسهيل والرقابة الفاعلة. وترى أن الاستيراد الرسمي يجب أن يكون هو المسار الطبيعي، وأن تخضع السلع للمواصفات والرقابة، مع تطبيق نظام إدارة المخاطر وتشديد العقوبات على المخالفين. كما ترى أن المنافسة القانونية أفضل من ترك السوق لقلة من المستوردين أو للمهربين. وزارة مستقلة للتجارة الخارجية تذهب الغرفة في مقترحاتها إلى أبعد من قرار الحظر، إذ طالبت رئيس مجلس الوزراء بفصل وزارة التجارة عن وزارة الصناعة وإنشاء وزارة مستقلة للتجارة الخارجية. وتقول إن التجارة الخارجية تحتاج إلى رؤية متخصصة ومستقلة تتولى وضع السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بالصادرات والواردات، وزيادة الصادرات، وتنظيم الاستيراد وتسهيل إجراءاته، وتعزيز تنافسية الاقتصاد السوداني. وتنطلق الغرفة من رؤية تعتبر الاستيراد والتصدير مكونين أساسيين للاقتصاد الوطني، لا أن ينظر إلى الاستيراد باعتباره نشاطاً ينبغي تقييده بصورة مستمرة. وتختصر الغرفة موقفها في عبارة واضحة: «الاستيراد المنظم ليس عدواً للاقتصاد الوطني، وإنما أحد أدوات نموه واستقراره». بين الحظر والتنظيم يكشف الجدل الحالي أن الخلاف الحقيقي ليس حول ضرورة ضبط الاستيراد، وإنما حول الوسيلة. فالحكومة تنظر إلى تقليص الواردات باعتباره إحدى وسائل تخفيف الطلب على النقد الأجنبي، بينما تقول الغرفة إن الحظر قد ينقل الطلب نفسه إلى سوق غير رسمي. والخبراء الذين تناولوا القرار يلفتون إلى أن علاج أزمة العملة يحتاج إلى معالجة الاختلالات الأساسية في الاقتصاد، لا الاكتفاء بالحد من الواردات. وفي هذه المعادلة، تبدو حماية المستهلك مرتبطة بقدرة الدولة على إبقاء التجارة داخل النظام الرسمي، لأن الرقابة على السلعة تبدأ من معرفة مصدرها وطريق دخولها وحجمها وقيمتها.