تكتسب قرارات مجلس الوزراء الأخيرة بشأن حظر استيراد قائمة واسعة من السلع أبعاداً تراجيدية ومفصلية في آن واحد ضمن المشهد الاقتصادي السوداني الراهن، فهي تتأرجح بحذر شديد بين كونها محاولة جراحية يائسة لوقف نزيف العملة الوطنية وبين ضغط اجتماعي ومعيشي قد لا تتحمل هياكل الاقتصاد المنهكة تبعاته المباشرة، حيث تكشف القراءة المتعمقة لهذا المسار عن معضلة السياسات الدفاعية في بلد يعاني من تآكل قاعدته الإنتاجية وتدهور مريع في سلاسل الإمداد، مما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة القرار على لجم تدهور الجنيه دون الانزلاق في فخ الندرة السلعية التي تغذي التضخم وتنعش أسواق الظل.
إن جوهر الأزمة لا يكمن في فعل المنع بحد ذاته بل في غياب المرونة المتقاطعة إذ إن الواقع يشير إلى أن غياب السلع المستوردة مع عدم جاهزية البدائل المحلية سيقود حتماً إلى تضخم بالعدوى يطال السلع البديلة ذاتها نتيجة تدافع الطلب عليها مما يجعل المواطن هو الممول الأول لهذه التجربة الاقتصادية القاسية.
وفي هذا السياق، يتجاوز الخطر حدود الأسواق الرسمية ليصل إلى مأسسة اقتصاد الظل بنسق احترافي مدمر؛ إذ إن سد قنوات الاستيراد القانونية دون معالجة الطلب الفعلي سيؤدي حتماً إلى صعود كارتيلات تهريب حدودية تعيد توجيه السيولة الدولارية من القنوات المصرفية إلى جيوب تجار الأزمات وهو ما ينسف الهدف الاستراتيجي للقرار من أساسه ويدفع بسعر الصرف نحو مستويات قياسية جديدة بدافع المضاربة لا الحاجة الفعلية، إن الربط المنهجي بين هذا الإجراء التكتيكي وبين الرؤية الاستراتيجية المطلوبة للسودان للفترة من ألفين وستة وعشرين وحتى ألفين وستة وثلاثين يؤكد أننا أمام سياسة دفاعية تعالج أعراض المرض وتتجاهل مكمن الداء وهو ضعف الهيكل الإنتاجي، فالحماية الحقيقية للجنيه لا تتحقق بصد الواردات بل بتحفيز الصادرات لزيادة العرض الدولاري المستدام، وعلاوة على ذلك يبرز التحدي المالي بوضوح في احتمالية تفاقم العجز الموازني نتيجة فقدان الرسوم الجمركية الضخمة مما قد يضطر الدولة للجوء إلى التمويل بالعجز، وهو ما يعني ببساطة أننا قد نحمي الجنيه من ضغط المستوردين لنقتله بضغط المطابع الحكومية التي تزيد من عرض النقود بلا غطاء إنتاجي ملموس.
ولكي تتحول هذه القرارات إلى استراتيجية بناء وطنية شاملة وفرصة حقيقية للإصلاح الهيكلي بدلاً من كونها مجرد صدمة عابرة، فإننا نطرح جملة من التوصيات الاستراتيجية المتخصصة التي يجب أن تتبناها الدولة بمؤسساتها المختلفة وبمنهجية تنفيذية صارمة، حيث يتوجب أولاً على وزارة المالية وبنك السودان المركزي التدشين الفوري لنظام الاعتمادات الذكي الذي يمنح الأولوية المطلقة لمصانع البدائل المحلية في الحصول على مدخلات الإنتاج مع إطلاق آلية التمويل الدوار لضمان توفر السيولة اللازمة للتشغيل، وثانياً ضرورة قيام وزارة الصناعة بتدشين منصة الرصد السلعي لتقييم الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج المحلي لحظياً، وثالثاً يجب على هيئة الجمارك بالتعاون مع وزارة الدفاع تشديد الرقابة التقنية عبر الطائرات المسيرة لمكافحة ممرات التهريب الصحراوية التي ستنشط حتماً بعد الحظر، ورابعاً تفعيل قانون حماية المستهلك عبر وزارة التجارة لضرب احتكارات المخزونات القديمة التي يمارسها بعض التجار، وخامساً قيام البنك المركزي بتوحيد نافذة شراء الذهب وتخصيص عوائده حصراً لاستيراد مدخلات الإنتاج الصناعي وليس السلع الجاهزة.
وتستمر مسارات التنفيذ عبر التوصية السادسة بضرورة إعفاء الآلات وقطع غيار المصانع التحويلية من أي رسوم ضريبية أو جمركية لمدة خمس سنوات لتحفيز الاستثمار، وسابعاً إبرام اتفاقيات تجارة تفضيلية مع دول الجوار لاستيراد المواد الخام بأسعار مخفضة مقابل سلع سودانية، وثامناً إلزام المصارف التجارية بتوجيه ثلاثين بالمئة من محفظتها الائتمانية للقطاع الزراعي والصناعي المرتبط ببدائل المستورد، وتاسعاً إنشاء صندوق سيادي لإدارة الوفورات الدولارية الناتجة عن الحظر واستخدامها كاحتياطي نقدي استراتيجي، وعاشراً تفعيل المجالس الاستشارية الاقتصادية لإشراك الأكاديميين والخبراء في مراجعة قوائم الحظر دورياً بناءً على معطيات السوق الحية، والحادية عشرة بضرورة توفير وزارة الطاقة حصص وقود مدعومة للمصانع الملتزمة بأسعار بيع مخفضة للمواطن، والثانية عشرة قيام وزارة الخارجية بفتح أسواق تصديرية جديدة للمنتج السوداني لتعويض نقص الميزان التجاري، والثالثة عشرة تبني سياسة نقدية انكماشية فيما يخص التمويل الحكومي غير المنتج لتقليل الضغوط التضخمية، والرابعة عشرة تحفيز المغتربين السودانيين عبر مبادرات استثمارية مرتبطة بقطاع الصناعات التحويلية المحمية بموجب قرارات الحظر.
ومن الضروري أيضاً في التوصية الخامسة عشرة تفعيل الرقابة الشعبية والتعاونيات الاستهلاكية لضمان وصول السلع البديلة لمستحقيها بأسعار التكلفة، والسادسة عشرة تطوير تطبيقات ذكية لمراقبة الأسعار وتلقي بلاغات الاحتكار، والسابعة عشرة توجيه البحث العلمي الجامعي لتطوير خامات محلية بديلة للمواد الخام المستوردة، والثامنة عشرة منح أراضٍ صناعية مجانية للمستثمرين الذين يبدؤون خطوط إنتاج للسلع المحظورة، والتاسعة عشرة وضع بروتوكول زمني واضح لإلغاء الحظر تدريجياً مع نمو القدرة الإنتاجية المحلية، وعشرون إنشاء محاكم اقتصادية متخصصة للبت السريع في مخالفات التهريب والمضاربة بالعملة، والحادية والعشرون إطلاق حملة وطنية لدعم المنتج المحلي إعلامياً لتغيير الثقافة الاستهلاكية لدى الفئات القادرة، والثانية والعشرون تخصيص مسارات سريعة في الموانئ لمدخلات الإنتاج لتقليل كلفة التخزين، والثالثة والعشرون ربط المناهج التعليمية والتقنية باحتياجات المصانع الجديدة التي ستنشأ بموجب هذا التحول الاقتصادي.
كما نؤكد في التوصية الرابعة والعشرين على تفعيل برامج الضمان الاجتماعي وصندوق حماية القوة الشرائية الممول من وفورات ترشيد الاستيراد لدعم الأسر المتأثرة، والخامسة والعشرون إلغاء كافة الرسوم والجبايات العبورية بين الولايات للمنتجات الوطنية لتقليل سعرها النهائي، والسادسة والعشرون تشجيع الاندماجات بين المصانع الصغيرة لتكوين كيانات إنتاجية كبرى قادرة على المنافسة، والسابعة والعشرون توجيه المنظمات الدولية العاملة في السودان لشراء احتياجاتها من السوق المحلي بدلاً من الاستيراد، والثامنة والعشرون إقامة معارض دائمة للصناعات السودانية في الأقاليم للتعريف بالبدائل المتاحة، والتاسعة والعشرون تطوير البنية التحتية الكهربائية للمناطق الصناعية لضمان استمرار الإنتاج، وثلاثون إلزام الشركات الحكومية بالاعتماد الكلي على البدائل المحلية في مشترياتها، ووصولاً للتوصية الحادية والثلاثين التي تنص على تشكيل لجنة عليا للمتابعة والتقييم ترفع تقاريرها مباشرة لمجلس الوزراء حول الآثار الجانبية للقرار وسبل معالجتها الفورية قبل تفاقمها.
إن هذه التوصيات المتكاملة تهدف لمعالجة أثر الإحلال بذكاء وتجنب التضخم الناتج عن ندرة العرض وفقدان الإيرادات الجمركية التي قد تزيد عجز الموازنة، فالاقتصاد السوداني اليوم يقف في مفترق طرق تاريخي حيث لم تعد أنصاف الحلول أو السياسات الحمائية المنفردة كافية لترميم تصدعات الجنيه الوطني، إن العبور نحو الاستقرار يتطلب شجاعة استراتيجية تتجاوز منطق المنع إلى رحاب البناء فالحظر الذي لا يتبعه إنتاج هو انتحار اقتصادي بطيء والسياسة التي لا تضع المواطن في قلب معادلة الاستقرار هي سياسة محكوم عليها بالفشل، إننا لا نحتاج فقط إلى جدران جمركية تحمي ما تبقى من عملتنا بل نحتاج إلى جسور إنتاجية تربط الموارد السودانية بالأسواق العالمية ليكون الجنيه قوياً بذاته لا بضعف منافسيه، إنها دعوة لإعادة صياغة العقد الاقتصادي بين الدولة والمنتج والمستهلك في إطار رؤية وطنية شاملة ترى في الأزمة فرصة لولادة اقتصاد سوداني حديث مرن وقادر على الصمود أمام عواصف التحولات العالمية وضغوطاتها الجسيمة بوعي علمي ومنهجية رصينة.
ختاماً، إن الاقتصاد السوداني اليوم لا يواجه مجرد أزمة عابرة في سعر الصرف، بل يقف أمام اختبار تاريخي لصلابة إرادته الإنتاجية وقدرته على إعادة اختراع ذاته بعيداً عن ارتهان الاستهلاك للخارج، إذ لم تعد السياسات الحمائية والمنع التقليدي كافية لترميم تصدعات الجنيه ما لم تتحول إلى منصة انطلاق لنهضة صناعية وزراعية شاملة، فالسيادة النقدية الحقيقية لا تُنتزع بقرارات الحظر وحدها، بل تُبنى في المصانع والحقول وبسواعد المنتجين، إننا أمام فرصة ذهبية لتحويل “صدمة الحظر” إلى “قوة دفع” وطنية تعيد صياغة العقد الاقتصادي بوعي استراتيجي يضع مصلحة المواطن وقوة الدولة في كفة واحدة، ليكون الجنيه السوداني معبراً عن حقيقة مواردنا وعظمة طموحاتنا، وقادراً على الصمود كعملة إنتاج لا عملة ريع، في رحلة العبور نحو سودانٍ حديث، مستقر، ومزدهر، يملك قراره الاقتصادي بامتياز ومنهجية علمية لا تعرف المستحيل.