ضجت الاسافير بالقرار الذي اصدره وزير الزراعة والري السوداني عصمت قرشي القاضي بحظر استيراد الفول المصري من جميع دول العالم مع توجيه الجهات المختصة بعدم إصدار شهادات عدم ممانعة لاستيراده، وقوبل القرار برفض واسع وأثار حفيظة المواطن السوداني بعد حظر الفول المصري أو كما يقال”حبيب الشعب”،ولعل السبب اعتماد المواطن عليه كوجبة أساسية ، زادت أهميتها بعد الحرب والظروف الاقتصادية القاهرة. *سبب الحظر* بررت وزارة الزراعة والري بإن القرار يأتي تنفيذاً لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 74 الصادر في أبريل الماضي والذي نظم استيراد عدد من السلع مشيرة إلى أن الفول المصري مدرج ضمن السلع المحظورة،وأوضحت أن الخطوة تأتي في إطار تنظيم الاستيراد ودعم الاقتصاد الوطني وحماية المنتجين المحليين وتشجيع زيادة الإنتاج الزراعي.
والاسبوع الماضي دفعت الهيئة العامة للجمارك ،بمذكرة عاجلة إلى مجلس الوزراء، عبر وزيرة الصناعة والتجارة، طالبت فيها بفك الحظر المفروض على عدد من السلع منها الأرز والفول المصري، إلى جانب عدد من السلع الأخرى المحظورة.
*غاية مشروعة* ويرى المحلل الاقتصادي والخبير المصرفي وليد دليل ان ما قيل إن الغاية حماية المنتج المحلي وتشجيع الإنتاج الوطني، غاية مشروعة ،مقرا بأن للسودان في هذا المحصول رصيد يستحق الحماية، فبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة بلغ إنتاجه من الفول الجاف نحو 185.3 ألف طن في عام 2024، ما يضعه في صدارة الدول العربية، ويتركز في الولاية الشمالية وولاية نهر النيل. غير انه رأى أن هذه الصدارة بالذات تجعل غياب الحساب أشد غرابة، فالفجوة بين هذا الإنتاج وحاجة الاستهلاك قائمة بدليل أنها تُسدّ باستيراد من مصر وإثيوبيا وأستراليا، لكنها لم تُرصد بعد في أرقام معلنة، فلا يعلم أحد هل هي عشرات الآلاف من الأطنان أم أكثر. مشيرا الى ظهور آثار الحظر السابق في الأسواق بارتفاع أسعار سلع شملها، كالأرز، دون أن تُنشر دراسة تقيس الإنتاج والاستهلاك والمخزون وقدرة المزارعين على التغطية واردف” ان قرار يغلق باب الاستيراد قبل أن يُعرف حجم ما سيُغلق عنه، يراهن بمائدة الفقراء على تقدير غير مدروس”. *قوت الغلابة* ويضيف وليد بان “الفول في السودان ليس سلعة تدخل في حسابات الرفاهية، بل هو وجبة الصباح لملايين الأسر ومصدر البروتين الأرخص الذي تتكئ عليه الطبقات محدودة الدخل، في بلد تضغط عليه الحرب وتآكل الدخول وارتفاع كلفة المعيشة. ومن يعرف أساسيات الاقتصاد يدرك أن الطلب على السلع الغذائية الأساسية قليل المرونة؛ فالأسرة لا تتخلى عن إفطارها لأن السعر ارتفع، بل تدفع أكثر وتقتطع الفرق من بنود أخرى أو من حجم الوجبة نفسه. وعليه فإن انخفاض المعروض مع بقاء الطلب سيرفع سعر الكيلو وسعر الصحن معاً، وسيتوقف مقدار الارتفاع على ما في المخازن وما تنتجه الحواشات ومدى استمرار الإمداد. مضيفا ان الأثر لن يبقى محصوراً في الفول، فالأسر ستتجه إلى العدس والعدسية، فيرتفع الطلب عليها وترتفع أسعارها، ويضيق هامش الاختيار أمام من لا يملك سوى الأرخص. ثم يأتي الأثر الاجتماعي الأخطر، إذ تدفع زيادة سعر مصدر البروتين الرخيص الأسر إلى تقليل الكميات وعدد الوجبات، خاصة في المدن ومناطق النزوح، فتقترب الأسر الهشة أصلاً من مستويات أشد من الحرمان بحسب دخلها وما يصلها من مساعدات. *تراجع الايرادات* واكد دليل انه للحظر وجه مالي لا يقل أهمية، فتراجع الاستيراد الرسمي يقلص الحصيلة الجمركية بينما يستمر الطلب، وحين يتسع الفارق بين السعر والندرة تنفتح قنوات التهريب بكلفة أعلى ومخاطر في النقل والجودة، فتخسر الخزينة إيراداً وتخسر الأسواق رقابة. والمفارقة اللافتة أن الجمارك نفسها، بحسب ما أُفيد، رفعت قبل أيام من صدور القرار مذكرة إلى مجلس الوزراء تطلب فك الحظر عن الفول المصري والأرز بسبب الندرة والفجوة الاستهلاكية وفقدان الإيرادات، أي أن الجهة الأقرب إلى حركة البضائع رأت الضرر قبل غيرها. *حماية المنتج الوطني* واضاف دليل ان الشق الذي يغفله دعاة الحماية فهو التمويل، فتوسيع الإنتاج المحلي يتطلب تمويلاً للتقاوي والوقود والري والتخزين، وإذا جرى هذا التمويل عبر المصارف بالجنيه وبصيغة المرابحة ذات الهامش الثابت، فإن التضخم الذي يفوق هامش الربح سنوياً يجعل المبلغ المسترد أقل قيمة من المبلغ الممنوح، فيتآكل رأس مال البنك وحقوق المودعين، وتنكمش الودائع هرباً إلى الدولار والذهب والعقار. مبينا ان هذه مشكلة قديمة في الجهاز المصرفي السوداني، لا تحلها صيغة بعينها في بيئة تتوسع فيها الكتلة النقدية وتنخفض فيها القوة الشرائية للعملة. ومن هنا فرأى إن المخرج العملي في تمويل الحواشة هو الصيغ التي لا يرتبط فيها السداد بقيمة الجنيه، كالسَّلَم الذي يتسلم فيه البنك المحصول عيناً، وكالمشاركة التي يتقاسم فيها الأطراف الناتج، مع قصر آجال التمويل وتسعيره على التضخم المتوقع. *وضع إنذار سعري* ويقول الخبير الاقتصادي د.هيثم فتحي، يأتي القرار وسط اهتمام واسع في السودان باعتبار الفول من الأغذية واسعة الاستهلاك ما يفتح باب التساؤلات بشأن انعكاس القرار على الأسواق وتوافر السلعة وأسعارها خلال الفترة المقبلة، مؤكدا ان مثل هذه القرارات تأتي ضمن سياسة مدروسة تُطبّق بشكل كامل دون أي استثناء ،كما ان اختيار المواد المشمولة بها لا يتم بشكل عشوائي ، وإنما يستند إلى دراسات تراعي حجم الإنتاج المحلي وتوفر المحاصيل في الأسواق واحتياجات المستهلك،بهدف تقلّيل من الاعتماد على استيراد المنتجات، وتحقق استدامة الإنتاج السوداني ، والأمن الغذائي، وتخفف الأعباء الاقتصادية، وتشجع التنوع الزراعي. واشار هيثم فتحي ان كل سوداني يقف مع مثل هذه القرارات الهادفة إلى المصلحة الوطنية العليا لكن هناك بعض المنتجات المستوردة تكون في بعض الحالات أرخص بكثير من المنتجات المحلية بالنظر إلى تكاليف الإنتاج الزراعي في السودان . ورأى هيثم فتحي ان حماية المنتج المحلي لا تعني إلغاء المنافسة بالكامل، وإنما منح المنتج السوداني فرصة عادلة للمنافسة مع ضمان توافر السلع في الأسواق بأسعار مقبولة للمستهلك، مبينا أن الثغرة الأساسية في قرارات منع الاستيراد تتمثل في التركيز على حجم الإنتاج المحلي دون النظر إلى كامل سلسلة وصول المنتج إلى المستهلك، والتي تشمل الإنتاج والتخزين والنقل والتوزيع والبيع. *تفعيل المنافسة* مضيفا ان منع المنافسة الخارجية، في ظل ارتفاع تكاليف هذه الحلقات وضعف البنية التخزينية والتسويقية، قد يؤدي إلى حماية السعر المرتفع بدلًا من حماية المزارع السوداني ،ورأى ان المشكلة لا تكمن في مبدأ دعم المنتج المحلي فقط، وإنما في الاعتماد على منع الاستيراد كأداة منفردة، حماية المزارع تتطلب أيضًا خفض تكاليف الإنتاج وتأمين مستلزمات الزراعة والتخزين والتسويق والتصدير، بالتوازي مع حماية المستهلك من (ارتفاع الأسعار) . ودعا هيثم فتحي الحكومة إلى وضع آلية للإنذار السعري تتيح مراجعة قرارات (منع الاستيراد عند تجاوز أسعار بعض السلع مستويات محددة) ، إلى جانب خفض تكاليف الإنتاج وتحسين التخزين والنقل والتسويق والتصدير.كذلك ارتفاع تكاليف المحروقات والأسمدة والمبيدات والنقل والعمالة في السودان ، وهي عوامل تنعكس على السعر النهائي للمنتج المحلي، بينما قد تحظى الزراعة في دول أخرى بدعم حكومي أو بتكاليف إنتاج وطاقة ونقل أقل لذلك نلاحظ انخفاض أسعار بعض المنتجات المستوردة مقارنة بالمحلية. *توقعات بارتفاع أسعار الفول* و رأى نائب رئيس تجمع مزارعي السودان، غريق كمبال أن من يصدرون القرارات يعملون ضد مصلحة المواطن مبينا ان (الفول) يعتمد عليه الشعب السوداني كبروتين ، منوها ان المنتج منه في السليم بالولاية الشمالية ، محدود ولا يكفي حاجة الاستهلاك المحلي ، ،واكد ان الحظر يخلق أزمة جديدة ، وانتقد عدم تقدير رئيس الوزراء لاحتياجات المواطن ، مضيفا ان الفول المصري يسهم بصورة كبيرة في معاش الناس ، وتوقع انعكاس القرار مباشرة على الأسعار وارتفاعها بصورة كبيرة،