حرب السيطرة الإعلامية علي خطاب العودة إلي السودان

كتب د. معتصم أقرع

صرحت السيدة د. أماني الطويل بأن ما قالته بشأن طلب الحكومة السودانية من السلطات المصرية إعادة المواطنين السودانيين إلى بلادهم ليس حقيقةً موثقة ولا تمل مصادر تسندها. وأوضحت أن ادعاءها مجرد استنتاج توصلت إليه من سماعها مسؤولين سودانيين، بمن فيهم رئيس الوزراء، يطلبون من السودانيين العودة إلى السودان وصيام رمضان هناك. لكن المشكلة تكمن في غرابة استنتاجها ، إذ يوجد تناقض صارخ ولا يمكن تفسير تشجيع مسؤولين سودانيين للمواطنين علي العودة وكأنه طلب من الحكومة المصرية لترحيلهم.

لا تملك الحكومة السودانية أي سلطة لإجبار أي سوداني على العودة، كما لا تملك سلطة إملاء ما يجب على الحكومة المصرية فعله بالسودانيين داخل حدودها. لذا، فإن القرار النهائي في هذه المسألة يعود للحكومة المصرية، وسياستها تجاه الأجانب مسؤوليتها الخاصة بغض النظر عن طلبات الحكومة السودانية.

للحكومة المصرية الحق السيادي في تنظيم وجود الأجانب داخل حدودها. هذا الحق طبيعي وله أهمية بالغة للحكومة المصرية ولشعبها، نظرًا لوجود عشرات الملايين من النازحين الأجانب من أفريقيا والشرق الأوسط، والذين استضافتهم مصر بسخاء لا مثيل له رغم التحديات الاقتصادية والمالية والأمنية الهائلة التي تواجهها، ورغم كثافتها السكانية المرتفعة للغاية.

بعد الإقرار بحق الحكومة المصرية السيادي في ضبط الوجود الأجنبي والحد من أي تداعيات سلبية، يمكن مناشدتها معاملة ضيوفها السودانيين بعناية خاصة، نظرًا لما يعانونه من ويلات الحرب، وعمق العلاقات بين شعبي وادي النيل.

لن يستغرب أي شخص مطلع على مصر أو السودان، أو العالم النامي عمومًا، أن تطبيق السياسة المصرية لا يستطيع أن يكون مثاليًا، وأن البعض قد يتعرض لمعاملة قاسية تماما كما يحدث لمصريين أحيانا. لكن كل هذا لن يغير حقيقة أن مصر كانت، بلا منازع، أكثر الدول كرمًا في استضافة الشعب السوداني قبل الحرب وبعدها. ورغم كل مشاكلها الاقتصادية، واكتظاظها السكاني الباهظ ، فقد استضافت أكثر من ستة ملايين سوداني، بمن فيهم أعداد كبيرة ممن عبروا الحدود بطريقة غير شرعية.

قارن هذا بإثيوبيا الشقيقة التي صعّبت على السودانيين الاستقرار داخل حدودها، وفرضت رسومًا قدرها مئة دولار شهريًا على كل سوداني يقيم في مدنها، ما يعني أن كل عائلة تدفع مئات أو آلاف الدولارات شهريًا للحكومة مقابل حق الإقامة. ناهيك عن أن السودان استضاف ملايين الإثيوبيين لسنوات طويلة خلال حروبها الأهلية التي لا تنتهي. فإذا كان المؤسس قد أشاد بإستضافة دولة الأمارات الشقيقة بربع مليون سوداني، فعليه يأن يشيد بمصر أربعة وعشرين ضعفا.

بغض النظر عن نوايا الأستاذة التي لا نعلم عنها شيئا ونفترض حسن النية، ما نجحت حادثة أماني الطويل في تحقيقه عمليا هو:

– تبرئة الحكومة المصرية من مسؤوليتها عن سياستها الأخيرة تجاه الشعب السوداني وتحويل اللوم إلي حكومة سودانية لا سلطة لها علي سيادة مصر.

– تصوير الحكومة السودانية، دون دليل، ككيان شرير وخبيث يفتقد المسؤولية ويُجبر مواطنيه على العودة إلى مناطق حرب وظروف معيشية خطيرة.

– تشويه إنتصار الشعب السوداني علي الجنجويد والغزاة الأجانب ، بتصوير ثمار هذا النصر – المتمثلة في عودة ملايين اللاجئين – على أنها مؤامرة من وحش قبيح لا يرحم يُجبر شعبه على العودة إلى معسكرات الموت. إذ أن إعادة صياغة العودة الطوعية للاجئين كمؤامرة قسرية من حكومة لا ترحم يدخل في الحرب الإعلامية بتأطير الأحداث وتحديد كنتورات تداولها في النقاش العام. هكذا تنجح العملية وتتحول العقول والقلوب من إنتصار شعب أعاد الحياة إلي أجزاء عزيزة من بلاده إلي حكومة ظالمة تفرض العودة قسرا إلي مزابل ومقابر.

كما قلنا سابقا، فان عودة الحياة إلي الخرطوم تزعج أحد أطراف النزاع فيحاول منعها بتكامل قصف المسيرات والقصف الإعلامي.

لكن الجانب الأكثر إثارة للدهشة في هذا النقاش هو القول بأنه لا ينبغي للمواطنين العودة إلى ديارهم إلا عندما تصبح الظروف شبه مثالية. يتجاهل هذا مبدأً أساسياً من مبادئ الصمود: العودة لإعادة البناء . لماذا ينتظر المواطن سلباً أن يعيد الآخرون بناء مدنه نيابةً عنه؟ ألا يمكن للمواطنين أن يعودوا طوعا لاستعادة أوطانهم وترميمها وإحيائها بأنفسهم؟

لماذا إحباط همة من يودون العودة طوعا بقصص لا تنتهي عن مخاطر هم يعلمونها جيدا ولا يحتاجون لخبير أجنبي أو أفندي سوداني ليذكرهم بها؟

الطبيعي أن يركز الحوار على دعم العودة المستدامة والطوعية في أمان وكرامة، وعلى الاعتراف بالسيادات المعقدة والكرم التاريخي ، بدلاً من تداول استنتاجات لا أساس لها لا تُسهم إلا في إثارة البلبلة والانقسام وتسميم العلاقة بين الشعوب.

Exit mobile version