حرب الدعم السريع .. من مروي إلي اليوم هل تتكرر دورة التاريخ ؟

د ياسر يوسف ابراهيم يكتب:

إذا كان بعض الناس يعتقدون أن الحرب الحالية التي تخوضها الدولة السودانية من أجل تثبيت وجودها وسيادتها هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، فإن نظرة أوسع إلى التاريخ السوداني تكشف أن الأمر ليس كذلك. فالتاريخ السياسي للسودان لم يتطور غالباً عبر خط تراكمي هادئ ومستمر كما حدث في بعض التجارب القريبة كمصر مثلا ، حيث ظلت الدولة تتطور هناك بشكل مركزي تراكمي منذ ان تم توحيد شطريها علي يد الملك نارمر حوالي 3100 قبل الميلاد ،  يقول أرنولد توينبي في كتابه تاريخ البشرية ( تم توحيد مصر سياسيا وإداريًا عند بدء تاريخ المدنية المصرية الفرعونية وقد كان هذا العامل السياسي المعين  لإستمرار زراعة الري في مصر ، وقد استمرت إلي يوم الناس هذا ) أما السودان فقد سار فيه التطور عبر لحظات متباعدة من إعادة التأسيس التاريخي، حيث ظلت النظرية الحاكمة فيه أن ينهض مركز حضري مستقر حول وادي النيل، ثم تتعرض الدولة التي نشأت فيه لهجوم من مجموعات سكانية قادمة من الأطراف الجغرافية للبلاد، خاصة من الغرب أو الجنوب. وفي كثير من الحالات لا يؤدي هذا الهجوم إلى مجرد صراع عسكري عابر، ولكن إلى تدمير الدولة القائمة وإحداث تغييرات عميقة في التركيبة السكانية والثقافية والسياسية، لتبدأ بعدها دورة تاريخية جديدة من إعادة البناء . ولعل هذا ما يفسر ضعف إنسجام الدولة في السودان علي الرغم من أن حضارته كانت متزامنة تاريخيا مع الحضارة المصرية القديمة..

يمكن قراءة هذا النمط في ضوء الفكرة التي طرحها ابن خلدون حول انتقال السلطة من الجماعات الأكثر تماسكاً في الأطراف إلى المجتمعات الحضرية في المراكز عندما تضعف العصبية وتكثر الانقسامات. ورغم اختلاف السياقات التاريخية، فإن تاريخ السودان يقدم عدداً من الأمثلة الواضحة التي يمكن أن تندرج ضمن هذا الإطار التحليلي.

ويرتبط نشأة الدولة نفسها في السودان القديم  بناء علي الهجرات السكانية القادمة من الأطراف. فالدولة الكوشية التي أصبحت لاحقاً واحدة من أهم الحضارات في وادي النيل لم تنشأ في فراغ. إذ يشير البروفيسور أحمد إلياس حسين في دراساته عن التاريخ القديم للسودان إلى أن بدايات الدولة الكوشية ارتبطت بحركات سكانية قادمة من أقاليم غرب السودان، وتحديدا وادي هور في دارفور وكردفان حاملة معها لغاتها وثقافاتها وأسهمت في بناء كوش الأولى بعد أن دمر المصريون مملكة تاسيتي في النوبة السفلى في العصور القديمة. ومن هذا المنظور يمكن القول إن الدولة الكوشية نفسها كانت نتاج تفاعل تاريخي بين وادي النيل والأطراف الغربية للسودان. وإن كان هناك رأي آخر يري أن هذه الهجرات جاءت من الصحراء الشرقية وتحديدا من البليميين وأسلاف البجة فإن ذلك لا يغير شيئا مما نزعمه من نظرية زحف الأطراف نحو المركز النيلي  ..

لكن أولى اللحظات الكبرى التي يظهر فيها هذا النمط بوضوح كانت نهاية العصر الكوشي الذي مثلته مملكة مروي التي سقطت نتيجة للغزو الأكسومي الذي قام به عيزانا ملك أكسوم عام 350 ميلادي ، ويري البروفيسور أحمد إلياس أن السبب الداخلي لسقوط مروي يعود إلي ( تحركات الشعوب السوداء التي إجتاحت دولة مروي من الجنوب والتي أطلقت عليها المصادر اليونانية والرومانية إسم Ethiopians . ويقول لازلو توروك في كتابه ( تاريخ ما بعد مروي وآركيولوجيته ) ( يمكن تصور أن تكون مجموعات نوبية بحلول القرنين الأول والثاني الميلاديين قد استقرت في داخل حدود مملكة مروي ، وجود تلك المجموعات يكون قد ولد عمليات إجتماعية وثقافية قادت بطريقة ما إلي تفكك مملكة مروي ) ..

وقد نشأت بعد ذلك الممالك المسيحية النوبية مثل مملكة المقرة ومملكة علوة التي أسست عهداً حضارياً جديداً استمر قروناً طويلة. ويرى المؤرخ يوسف فضل حسن في دراساته عن تاريخ السودان الوسيط أن هذه المرحلة مثلت تحوّلاً حضارياً شاملاً، حيث انتقلت المنطقة إلى منظومة ثقافية وسياسية جديدة ارتبطت بالعالم المسيحي في شرق المتوسط.

التحول الثاني الكبير وقع بعد عدة قرون مع الهجرات العربية التدريجية إلى السودان. لم تكن هذه الهجرات حدثاً واحداً، بل عملية تاريخية ممتدة بدأت منذ بواكير الفتح الإسلامي لمصر وتواصلت عبر قرون عديدة بتسرب هادئ أحيانا ومعارك متبادلة أحيانا أخري وخاصة في عصر المماليك ، ..

ومع الزمن أدت هذه التحولات إلى تغير عميق في التركيبة السكانية والثقافية للبلاد، حيث انتشر الإسلام واللغة العربية تدريجياً في معظم مناطق وادي النيل. عبر  عملية تاريخية مركبة شملت التزاوج والتداخل الاجتماعي بين الجماعات المحلية والوافدة، مما أدى في النهاية إلى تشكل الهوية الثقافية العربية الإسلامية التي أصبحت الإطار الغالب في السودان .

ولكن النظرية التي لازمت مراحل تشكل الدولة السودانية ظلت حاضرة أيضا في هذه الفترة ، فلئن كان سقوط مملكة المقرة قد وقع بصورة تلقائية في يد العرب المتنوبين فإن مملكة علوة التي استمرت لألف عام جري عليها ما ما نحاول إثباته من نظرية في هذا المقال حيث سقطت علي يد قبائل الفونج التي تجمع الرويات علي أنهم قبائل مهاجرة ، يقول البروفيسور يوسف فضل في كتابه ( مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في بلاد السودان الشرقي ) ( يرجع الباحثون موطن الفونج أو أصلهم إلي واحدة من ثلاث مناطق بلاد الحبشة ، وبلاد برنو ومنطقة الشلك علي النيل الأبيض ) ، وعلي الرغم من منطق الإستمرارية الإجتماعية  الذي جادل به جاي سبولدنق في كتابه عصر البطولة في سنار يمكن الزعم بأن الفونج ساهموا مع حلفائهم العرب في تحول كبير علي المستوي الديني  حيث إختفت المسيحية تماما في الحيز الجغرافي الذي حكموه ،وعلي المستوي الإجتماعي إختفت قبيلة العنج كذلك من المشهد السوداني ..

أما اللحظة الثالثة التي تتجلي فيها هذه النظرية بوضوح كبير فتمثلت في الثورة المهدية التي قادها محمد أحمد المهدي في أواخر القرن التاسع عشر 1881 – 1898 فقد تدفقت جحافل الجيوش التي كان عمادها قبائل من غرب السودان نحو الشرق وهي تحمل مشروعا إجتماعيا كاملا ينطلق من فكرة دينية ،  ويسعي نحو تغيير الأسس التي استقرت نوعا ما في الدولة السودانية الجديدة التي شاد أركانها محمد علي باشا ونوابه في السودان ، وفي كتابه المقاومة الداخلية للدولة المهدية يري محمد محجوب مالك إن المهدية كفكرة متجذرة في نواحي السودان الغربية لتأثرها بمملكة الفولاني في نيجيريا بينما لم تكن أقاليم السودان في شماله ووسطه المرتبطة بشكل قوي مع مصر مقتنعة بهذه الفكرة ، عموما يري بعض الباحثين أن القوي الاجتماعية والعسكرية التي حملت هذه الثورة جاءت أساساً من مجتمعات البادية والريف في غرب السودان، الأمر الذي يجعلها مثالاً واضحاً لصعود قوة اجتماعية من الأطراف لتعيد تشكيل الدولة في المركز. وبإنتصار المهدية نجحت المجموعات السكانية المنحدرة من الغرب في تعطيل مسار الدولة التي بدأ تشكلها إبان الفترة الخديوية ، وأحدثت تغييرا إجتماعيا وثقافيا حقنت به شرايين المركز ، مما اضطر هذا المركز لإعادة عملية الصهر من جديد مستوعبا معه هذه القوي الإجتماعية والقبلية الجديدة ، وليس أدل من تأثير هذا الوافد الجديد قيام مدينة أمدرمان التي انتزعت الريادة من مدينة الخرطوم وصارت هي المثال الأعلي الذي تعمل ماكينات الصهر الإجتماعي في بقية أنحاء السودان لمساواتها مع ذلك النموذج الذي يجمع بين المدينة والقرية ، أو بين الأصالة والمعاصرة إذا جاز لنا أن نستلف من قاموس السيد الصادق المهدي..

إذا جُمعت هذه المحطات التاريخية في إطار واحد يظهر نمط لافت: فكل مرحلة كبرى من التحول في السودان إرتبطت  بصعود قوى جديدة من الأطراف الجغرافية  ثم إنتقال  هذه القوى إلى المركز حيث تعيد تشكيل الدولة والهوية السياسية. وبعد عدة أجيال يتحول المركز الجديد بدوره إلى بنية مستقرة قد تصيبها الشيخوخة السياسية، فتبدأ دورة تاريخية أخري من ( الفك وإعادة التركيب )

ومن هنا يمكن النظر إلى الحرب الحالية التي تخوضها الدولة السودانية  ضد مليشيا  الدعم السريع في مستواها الإجتماعي بوصفها حدثاً سياسياً معاصراً، لكنها في الوقت نفسه تقع ضمن نمط تاريخي أقدم بكثير في مسيرة الدولة السودانية. فالتاريخ يشير إلى أن الصراع بين المركز المستقر والقوى الاجتماعية الصاعدة من الأطراف كان عاملاً متكرراً في إعادة تشكيل السلطة والدولة في السودان عبر القرون ، والفارق الجوهري في هذه الحرب يتمثل في ثلاث نقاط رئيسية ، أولها هو فشل نجاح تحرك المليشيا  في إسقاط الدولة المركزية كما فشلت من قبله حركة جون قرنق في إسقاط الدولة المركزية فقنعت بالظفر بإقليم جنوب السودان ،  وهو المثال نفسه الذي تتوق إليه قيادة الدعم السريع ومن يدعمها علنا وسرا ، وهذا الفشل يؤكد أن المركز إمتلك طاقة إجتماعية هائلة مكنته من مقاومة محاولة تفكيكه هذه المرة رغما عن الأثمان الغالية التي دفعها ، والنقطة الثانية هي حجم الفظائع والجرائم التي ارتكبتها المليشيا بحق الشعب السوداني مما جعل تقبل مشروعها مستحيلا ، لأنها نقلت حربها ضد الشعب فأذاقته الويل والثبور ، أما الثالثة فتلخص في  أن هذا المشروع هذه المرة كانت مصالح الخارج فيه أكبر عن قناعة المكونات المحلية في إقليم دارفور ، حيث بدا أن تلك المكونات إنصهرت بشكل فعال في الدولة المركزية ، وتسعي عبر المساومات مختلفة الوسائل لضمان تطور محاولتها نحو مشروع وطني حقيقي في النهاية ، ولذلك فإن مشروع الحرب الحالية مشروع خارجي في جانبه الأكبر تم توظيف  الدعم السريع فيه لتنفيذه من أجل إبقاء السودان ذليلا مكسور الجناح ..

علي أن التحدي الحقيقي الذي يجب علي النخبة في السودان  أن تنتبه له أن كسب الحرب الحالية ( وهذا مهم ) ليس هو خاتمة المطاف وإنما العبرة في كيفية الإستفادة من  هذه التجارب والعمل  علي كسر هذه الدورة التاريخية عبر بناء دولة قوية قادرة علي دمج قوي الأطراف داخل نظام سياسي واحد بحيث لا تتحول التوترات الإجتماعية والجغرافية مرة أخري إلي موجة جديدة من إعادة التأسيس العنيف ..

عموما يري بعض الباحثين أن القوي الاجتماعية والعسكرية التي حملت هذه الثورة جاءت أساساً من مجتمعات البادية والريف في غرب السودان، الأمر الذي يجعلها مثالاً واضحاً لصعود قوة اجتماعية من الأطراف لتعيد تشكيل الدولة في المركز. وبإنتصار المهدية نجحت المجموعات السكانية المنحدرة من الغرب في تعطيل مسار الدولة التي بدأ تشكلها إبان الفترة الخديوية ، وأحدثت تغييرا إجتماعيا وثقافيا حقنت به شرايين المركز ، مما اضطر هذا المركز لإعادة عملية الصهر من جديد مستوعبا معه هذه القوي الإجتماعية والقبلية الجديدة ، وليس أدل من تأثير هذا الوافد الجديد قيام مدينة أمدرمان التي انتزعت الريادة من مدينة الخرطوم وصارت هي المثال الأعلي الذي تعمل ماكينات الصهر الإجتماعي في بقية أنحاء السودان لمساواتها مع ذلك النموذج الذي يجمع بين المدينة والقرية ، أو بين الأصالة والمعاصرة إذا جاز لنا أن نستلف من قاموس السيد الصادق المهدي..
إذا جُمعت هذه المحطات التاريخية في إطار واحد يظهر نمط لافت: فكل مرحلة كبرى من التحول في السودان إرتبطت بصعود قوى جديدة من الأطراف الجغرافية ثم إنتقال هذه القوى إلى المركز حيث تعيد تشكيل الدولة والهوية السياسية. وبعد عدة أجيال يتحول المركز الجديد بدوره إلى بنية مستقرة قد تصيبها الشيخوخة السياسية، فتبدأ دورة تاريخية أخري من ( الفك وإعادة التركيب )

ومن هنا يمكن النظر إلى الحرب الحالية التي تخوضها الدولة السودانية ضد مليشيا الدعم السريع في مستواها الإجتماعي بوصفها حدثاً سياسياً معاصراً، لكنها في الوقت نفسه تقع ضمن نمط تاريخي أقدم بكثير في مسيرة الدولة السودانية. فالتاريخ يشير إلى أن الصراع بين المركز المستقر والقوى الاجتماعية الصاعدة من الأطراف كان عاملاً متكرراً في إعادة تشكيل السلطة والدولة في السودان عبر القرون ، والفارق الجوهري في هذه الحرب يتمثل في ثلاث نقاط رئيسية ، أولها هو فشل نجاح تحرك المليشيا في إسقاط الدولة المركزية كما فشلت من قبله حركة جون قرنق في إسقاط الدولة المركزية فقنعت بالظفر بإقليم جنوب السودان ، وهو المثال نفسه الذي تتوق إليه قيادة الدعم السريع ومن يدعمها علنا وسرا ، وهذا الفشل يؤكد أن المركز إمتلك طاقة إجتماعية هائلة مكنته من مقاومة محاولة تفكيكه هذه المرة رغما عن الأثمان الغالية التي دفعها ، والنقطة الثانية هي حجم الفظائع والجرائم التي ارتكبتها المليشيا بحق الشعب السوداني مما جعل تقبل مشروعها مستحيلا ، لأنها نقلت حربها ضد الشعب فأذاقته الويل والثبور ، أما الثالثة فتلخص في أن هذا المشروع هذه المرة كانت مصالح الخارج فيه أكبر عن قناعة المكونات المحلية في إقليم دارفور ، حيث بدا أن تلك المكونات إنصهرت بشكل فعال في الدولة المركزية ، وتسعي عبر المساومات مختلفة الوسائل لضمان تطور محاولتها نحو مشروع وطني حقيقي في النهاية ، ولذلك فإن مشروع الحرب الحالية مشروع خارجي في جانبه الأكبر تم توظيف الدعم السريع فيه لتنفيذه من أجل إبقاء السودان ذليلا مكسور الجناح ..

علي أن التحدي الحقيقي الذي يجب علي النخبة في السودان أن تنتبه له أن كسب الحرب الحالية ( وهذا مهم ) ليس هو خاتمة المطاف وإنما العبرة في كيفية الإستفادة من هذه التجارب والعمل علي كسر هذه الدورة التاريخية عبر بناء دولة قوية قادرة علي دمج قوي الأطراف داخل نظام سياسي واحد بحيث لا تتحول التوترات الإجتماعية والجغرافية مرة أخري إلي موجة جديدة من إعادة التأسيس العنيف ..

Exit mobile version