حرب الخليج…. سقوط أسطورة الحماية

فيما ارى

عادل الباز

1

كشفت الحرب الجارية في الخليج الآن عن حقائق لم تكن مخفية تمامًا، لكنها كانت مغطاة بطبقات من الاكاذيب و التطمين الزائف والخطاب المعلّب. ومع أول اختبار حقيقي، سقطت الرواية الكبرى: أن القواعد الأمريكية في الخليج موجودة لحماية دول المنطقة من أي عدوان خارجي.

تلك أولى الأكاذيب: “القواعد الأمريكية في الخليج لحماية دول المنطقة من أي عدوان خارجي”. ها هي الحقائق تتكشف مع أول عدوان تتعرض له تلك الدول. ففي الحرب الأولى بين إسرائيل وإيران قبل ستة أشهر، أو ما سُمِّي بحرب الاثني عشر يومًا، وبعد اندلاع المواجهات مباشرة، أُفرغت القواعد من السلاح تقريبًا، وكذلك من الأفراد. وذهب الجنود الذين يُفترض أن مهمتهم الدفاع عن البلاد التي استضافتهم هرعوا جميعًا، إما إلى خارج البلاد، أو إلى غرف فنادق الدوحة الفاخرة، تاركين الدول التي استضافتهم وتكفلت بكل شيء عرضة للهجمات الإيرانية، ثم لاحقًا للهجمات الإسرائيلية التي استباحت سماء الدوحة، بل وقصدت ضرب الوفد الفلسطيني الذي كان يفاوض الإسرائيليين أنفسهم

2.

والآن، ما إن بدأت الحرب الجديدة حتى أُفرغت القواعد كلها في الخليج، وهرع الآلاف من الجنود الأمريكيين إلى الخارج، أو إلى القواعد الأمريكية في البحار، أو إلى مواقع أكثر أمانًا. اتضح تمامًا أن مهمة تلك القواعد أبعد ما تكون عن حماية الدول التي تستضيفها، بل لها مهام أخرى لا علاقة لها مطلقًا بأمن دول الخليج

3.

عندما اندلعت الحرب الأولى ثم الثانية بين إيران وأمريكا وإسرائيل، لم نرَ دفاعًا مشتركًا، ولا ردعًا فوريًا، ولا مظلة حماية تحمي الأجواء والسيادة. رأينا هروبًا جماعيًا، وإخلاءً للقواعد، وانتقال قوات الحماية إلى البحر أو إلى مواقع أكثر أمانًا. وهذا يعني أن اللحظة التي كان يُفترض أن تُختبر فيها عقيدة “الحماية”، أثبتت أن المهمة الأساسية لتلك القواعد ليست الدفاع عن الدول المضيفة.

هنا تنفتح أبواب التساؤلات.

أولًا: هل كانت القواعد الأمريكية في الخليج لحماية هذه الدول فعلًا؟ أم لحماية المصالح الأمريكية في الخليج؟

الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن وظيفة تلك القواعد تاريخيًا كانت تأمين تدفق الطاقة، وضمان حرية الملاحة، وردع الاعداء عن تهديد المصالح الأمريكية. أما الدفاع المباشر عن العواصم الخليجية، فكان دومًا مشروطًا بحسابات أوسع تتعلق بواشنطن لا بامن المنطقة. بل إن استخدام السلاح الأمريكي والغربي عمومًا مشروط بقيود سياسية وقانونية معقدة، علمًا بأن دول الخليج تنفق نحو 114.5 مليار دولار سنويًا على الدفاع. فإذا كانت مئات المليارات تُنفق على السلاح، فلماذا يبقى جزء كبير منه معطلًا داخل قواعد لا يُسمح باستخدامها إلا ضمن ترتيبات سياسية معقدة؟

4

السؤال الثاني الذي سيُطرح بقوة بعد انتهاء هذه الحرب: لماذا تُستضاف هذه ويصرف عليها المليارات إذا كانت لا تدافع عن الدول التي تستضيفها؟ بل إنها لم تحمِ حتى نفسها؟

ربما لم يكن هذا السؤال يُطرح سابقًا، لكن بعد ما جرى، سيكون على المسؤولين الخليجيين الاستعداد للإجابة عليه. بل سيكون عليهم طرح السؤال ذاته على الدول التي تمتلك قواعد في بلدانهم: لماذا نستضيفكم، ونصرف كل تلك المليارات، ونشتري كل ذلك السلاح من مصانعكم ، دون أن تتوفر لنا حماية فعلية، ولا حتى فرصة لاستخدام السلاح الذي ندفع ثمنه؟

5

الحرب الحالية ستنتهي، كما انتهت حروب سابقة. لكن السؤال الذي سيبقى: ماذا كسبت الدول الخليجية من استضافة القواعد الأمريكية؟ هل الحل في طرد تلك القواعد ووقف الإنفاق عليها فورًا؟ أم في إعادة تحديد دورها بوضوح؟ أم أن هناك استراتيجيات جديدة يمكن أن تتخذها دول الخليج لتحفظ أمنها وتخرج من دوامة الاعتماد الكامل على القواعد الأجنبية؟

6

في اعتقادي أن الانتباهة الأخيرة لمجلس التعاون الخليجي، باتخاذ موقف جماعي ضد الهجمات الايرانية تشي ببداية بناء موقف خليجي موحد تجاه أمن دول الخليج. والأمل أن يتطور هذا الموقف إلى بناء منظومة أمنية خليجية مكتملة، منظومة لا تعتمد اعتمادًا كليًا على قوة خارجية، بل تقوم على تكامل دفاعي إقليمي حقيقي، يُنسَّق ويُضبط ضمن شبكة تحالفات أوسع في المنطقة وخارجها، دون أن يكون مرهونًا بالكامل بإرادة الآخرين

7.

إذا خرجت دول الخليج من هذه الحرب بإعادة نظر جذرية في معادلة أمنها، فسيكون ذلك هو الدرس الأكبر. أما إذا استمرت المعادلة كما هي، فستبقى المنطقة أسيرة تصور أمني أثبتت التجربة أنه لا يضمن الحماية التلقائية، ولم يدافع عن دول الخليج، بل عجز حتى عن حماية نفسه.

Exit mobile version