عبد الوهاب الأفندي
إنّ وقف إطلاق النار الذي تُلطّخه المجازر، وعرقلة مسارات المساعدات، واستهداف القوافل الإنسانية، كلّها شواهد تؤكد أن الاتفاقات التي تُبنى حول الجماعات المسلحة تترك المجتمعات بلا حماية، وتعرضها لمزيد من الفظائع.
نازحون سودانيون من منطقة هجليج في غرب السودان ينتظرون تلقي المساعدات الإنسانية في معسكر أبو النجا للنازحين بولاية القضارف، على بُعد نحو 420 كيلومترًا شرق الخرطوم، في 30 ديسمبر 2025 (عبد الرحمن جمعة/فرانس برس).
معظم مقترحات السلام المطروحة لحل الحرب المدمرة الحالية في السودان دأبت على إقصاء المدنيين من الصورة.
وهذا الإهمال يتجاوز مجرد تجنّب الحديث عن العدالة لضحايا الإبادة والاغتصاب، ليصل إلى رفض إعطاء الأولوية لحماية المدنيين من الفظائع.
تقريبًا كل المقاربات انصبّت على السعي إلى وقف إطلاق النار بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تاركة المدنيين الضعفاء تحت رحمة الأطراف المسلحة. والمبادرة الأميركية الأخيرة ليست استثناءً من ذلك.
ومع ذلك، فإن جميع الفظائع الكبرى — من الإبادة الجماعية في الجنينة في أبريل 2023 إلى الإبادة في الفاشر في أكتوبر الماضي — وقعت في ظل غياب القتال بين الطرفين المسلحين؛ أي في ظل ظروف وقف إطلاق النار.
جميع المجازر الكبرى وقعت أثناء وقف إطلاق النار، لا أثناء المعارك.
وقعت إبادة الجنينة قبل أن تمتد الحرب إلى دارفور، حين بقيت وحدات الجيش السوداني الأضعف داخل ثكناتها بينما نفذت قوات الدعم السريع عمليات قتل جماعي. أما المأساة المتواصلة في الفاشر فقد وقعت بعد انسحاب الجيش وحلفائه من المدينة.
في كلتا الحالتين، كان وقف إطلاق النار قائمًا حين ارتكبت قوات الدعم السريع أفظع جرائمها. وما كان مطلوبًا آنذاك هو توفير قوة ردع كافية لحماية المدنيين. لقد أثبتت تجربة العامين الماضيين أن وقف إطلاق النار من دون ضمانات قابلة للتنفيذ لوقف الانتهاكات لا يؤدي إلا إلى تعريض المدنيين لأبشع الانتهاكات.
“مسرح جريمة”
قبل أشهر من مأساة الفاشر، أتذكر أنني قلت لدبلوماسي أوروبي رفيع المستوى، خلال نقاش حول الاحتياجات الإنسانية في السودان، إن الحاجة الأكثر إلحاحًا هي تعزيز قدرة الجيش السوداني على الدفاع عن المدن المهددة ومنعها من أن تلقى المصير نفسه الذي لقيته الفاشر.
لكن الهيئات الدولية تجاهلت النتيجة الواضحة: أن “وقف إطلاق النار” من دون ضمانات لوقف الفظائع يعادل عمليًا التواطؤ في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
في الخرطوم، أدى التوقف الجزئي والقصير للقتال في الأسابيع الأولى من الحرب إلى احتجاج المدنيين، لأنه أتاح لقوات الدعم السريع وقتًا ومساحة أكبر لاستهداف الأحياء السكنية.
ومع ذلك، ظلّت الهيئات الدولية تكرر المطلب ذاته — وقف إطلاق النار — دون تفكير أو خيال، متجاهلة أن هذه المقاربة تجعلها شريكة في الجرائم.
الاستثناء الوحيد ربما كان إعلان جدة في مايو 2023، الذي لم يُنفّذ قط. ورغم أن الاتفاق رعته السعودية والولايات المتحدة، فإن “البروتوكول الإنساني” الذي استند إليه صاغته مجموعة أفريقية غير رسمية بقيادة الرئيس الجنوب أفريقي السابق ثابو مبيكي. ومع ذلك، لم تضغط أي جهة لتنفيذه: لا الرعاة ولا الاتحاد الأفريقي ولا أي طرف دولي آخر.
خطة كامل إدريس: تقدم محدود وسذاجة سياسية
الخطة الأخيرة التي طرحها رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس بدت وكأنها تُحرز بعض التقدم نحو الحد من الفظائع ضد المدنيين. لكنها كانت ساذجة في افتراضها أن قوات الدعم السريع ستستجيب وتستسلم لمجرد الدعوة.
طُرحت الخطة في خطاب مفاجئ أمام مجلس الأمن في 23 ديسمبر 2025، وبدا أنها غير ناضجة، إذ لم تسبقها مشاورات داخلية كافية ولا تنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ولم يُخطر بها الرأي العام السوداني إلا عند إلقاء الخطاب.
تضمنت الخطة:
•وقف إطلاق نار تحت رقابة أممية وإقليمية
•انسحاب المليشيا من المدن التي تسيطر عليها
•نزع سلاحها
•حوار مدني
•فترة انتقالية
•ثم انتخابات تعيد الحكم المدني الديمقراطي
لكن المرحلة الأكثر حيوية هي وقف إطلاق نار مُراقَب يضمن سلامة المدنيين وتدفق المساعدات الإنسانية. وهذه المرحلة تصطدم بثلاث عقبات كبرى:
1.عرقلة الدعم السريع المتعمدة لمسارات المساعدات، كما في حصار الفاشر الوحشي لنحو عامين.
2.استهداف قوافل ومرافق وعمال الإغاثة عبر النهب والقصف والقتل والخطف.
3.الأخطر: تواطؤ أطراف دولية، بما فيها بعض المنظمات الإنسانية، عبر الصمت وتجاهل الانتهاكات وعدم توجيه إدانة واضحة.
بدلًا من معاقبة المليشيا، تستمر في تلقي “مكافآت سياسية” عبر الإصرار الدولي على إشراكها في المفاوضات دون إلزامها أولًا بوقف الجرائم.
مدينة أُبيدت ثم “تُقيَّم”
مثال صارخ على ذلك: زيارة وفد أممي إلى الفاشر أواخر الشهر الماضي “لتقييم الوضع الإنساني”، بعد شهرين من اقتحام الدعم السريع للمدينة.
كانت الفاشر قد فقدت ثلاثة أرباع سكانها البالغ عددهم 1.5 مليون نسمة بسبب الحصار الطويل، ثم تعرض من تبقى منهم للتصفية أو الاعتقال. وصف الفريق المدينة بأنها “مسرح جريمة”، وقال إنه لم يرَ إلا عددًا محدودًا من المدنيين في حالة نفسية بائسة ويعانون من نقص الغذاء، ولا يعرف أين ذهب بقية السكان.
تقرير صادر في ديسمبر عن مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل وثّق محاولات الدعم السريع إزالة أكوام الجثث لإخفاء آثار المجازر خلال فترة سيطرته على المدينة.
لكن الوفد الأممي لم يطرح الأسئلة — ربما لأنه لم يكن قادرًا على ذلك. واكتفى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالدعوة مجددًا إلى وقف فوري لإطلاق النار لدعم الجهود الإنسانية، فيما أطلقت اليونيسف نداءً لجمع التبرعات.
وكأن أحدًا لم ينتبه إلى أن الأشباح لا تأكل ولا تحتاج إلى مساعدات.
مسار أكثر واقعية
من هذا المنطلق، فإن خطة وقف إطلاق النار التي طرحها رئيس الوزراء غير واقعية، لأنها تطلب عمليًا من المليشيا أن تستسلم وهي لا تزال تمتلك قدرًا من القوة.
نعم، يجب كبح المليشيا وإزاحتها من المشهد، لكن هذا يتطلب:
•وجودًا دوليًا يمنع تدفق السلاح إليها
•دعمًا دوليًا وإقليميًا قويًا للحكومة
•تعزيز قدرات الردع لدى الدولة لحماية المدن ومنع تكرار الهجمات
وفي الوقت نفسه، يدعو رئيس الوزراء إلى رقابة أممية على وقف إطلاق النار بينما يرفض وجود قوات أممية على الأرض، وهو تناقض جوهري.
كما فشلت المبادرة في التأكيد بوضوح على أن الهدف المركزي هو حماية المدنيين ووقف الانتهاكات.
ما المطلوب فعليًا؟
الحل الواقعي قصير المدى يتمثل في:
•تشكيل تحالف دولي وإقليمي قوي لمواجهة المليشيا
•إجبارها على الانسحاب من شمال دارفور، ومدن جنوب دارفور، وسائر المناطق التي تحتلها
•نشر رقابة أممية مكثفة في مناطق وجودها لحماية المدنيين
•إطلاق سراح المحتجزين
•توفير قدرات ردع حقيقية بيد الحكومة بدعم دولي قوي
أما المراحل اللاحقة مثل الحوار المدني، فيجب أن تقوم على أسس واضحة، أهمها:
•إدانة الجرائم السابقة والحالية
•الالتزام الصريح بحماية المدنيين
•محاسبة الجناة بفعالية
لا يمكن التقدم دون المرور عبر هذه المرحلة، ولا يمكن إشراك أطراف ترفض إدانة الجرائم أو ترفض إعطاء أولوية لحماية المدنيين.
يجب أن يكون محور أي مبادرة:
•حماية المدنيين والمدن
•تمكين عودة النازحين
•إعادة فتح المدارس والمستشفيات والأسواق
• تأمين الحياة المدنية ضد أي تهديد جديد
فقط حينها يمكن أن تعود الحياة المدنية وتتشكل كتلة مدنية قادرة على الحوار.
ومع نزوح ما يقارب نصف سكان السودان، فإن أولوية الأولويات هي تحقيق السلام وحماية المدنيين وردع أي اعتداءات جديدة عليهم.
