الدكتور محمد عوض محمد متولي **
تظل أزمة الاقتصاد الوطني في جوهرها أزمة إدارة وتعبئة للموارد المتاحة قبل أن تكون ندرة في أصل الثروة؛ إذ تتردد في الأروقة الاقتصادية والتحليلية مقولة ذات مغزى عميق مفادها أن السودانيين لا يعانون من شح مالي شامل أو عجز في تكوين الثروات بقدر ما يعانون من مفارقة تمدد الاقتصاد الموازي، وتكدس الكتل النقدية خارج قنوات الدولة الرسمية.
إن الأزمة البنيوية الحقيقية التي تكبل طاقات البلاد لا تكمن في انعدام رأس المال، وإنما في آلية حركته واحتجازه بعيداً عن الشرايين المصرفية؛ حيث تتجمع كتل نقدية ضخمة من السيولة المحلية وأجناس العملات الأجنبية، إلى جانب المخزون العيني من الذهب، لدى شبكات وأفراد ومجموعات محددة تدير أنشطتها وتجارتها كلياً خارج المظلة البنكية الرسمية، مما يحرم الاقتصاد الكلي من قدرة التمويل والتوسع الإنتاجي.
لقد ألقت السلوكيات المالية التقليدية بظلالها الثقيلة على واقع الاقتصاد الوطني، حيث تجذرت ظاهرة “الاكتناز المنزلي” وتحفّظ المواطنون والتجار عن إيداع مدخراتهم في الجهاز المصرفي. ولا يمكن فهم هذا السلوك النقدي بمعزل عن الدوافع التاريخية والتشغيلية التي غذّته على مدى عقود؛ وفي مقدمتها تعقد المعاملات البيروقراطية داخل الفروع المصرفية، والخشية الدائمة من القيود الفجائية المفروضة على عمليات السحب والإيداع، فضلاً عن ضعف المردود الاستثماري للمدخرات التي تلتهمها معدلات التضخم المتسارعة وتدهور القوة الشرائية للعملة الوطنية.
هذه العوامل مجتمعة جعلت الخزائن الخاصة والمتاجر بديلاً ، والملاذ والملجأ المالي الذي يُشعر حائزو الأموال بالحرية المطلقة والتحكم السريع في سيولتهم وإدارتها لمقابلة الالتزامات الفورية، دون الإدراك الكافي لحجم المخاطر المباشرة والكليّة التي يفرضها هذا السلوك على استقرار العملة وسلامة النظام المالي للبلاد.
وجاءت تداعيات الحرب والنزاع المسلح الأخير لتقدم درساً قاسياً ومأساوياً أثبت المآلات الفادحة لسلوك الاكتناز الفردي والعيني؛ فقد تعرضت الأموال والمدخرات والممتلكات المكتنزة داخل المنازل والمحال التجارية في العاصمة وعدد من الولايات لموجات من النهب والتدمير والضياع الفعلي، وهي خسائر كارثية كان يمكن تفادي القدر الأكبر منها لو أن تلك الثروات صيغت في شكل أصول رقمية أو حسابات مصرفية آمنة ومحمية في منظومات الدفع البنكي.
ورغم هذه الصدمة الهيكلية التي هزت الوعي المجتمعي، فإن الإجراءات والسياسات الاستثنائية التي اتخذتها السلطات الرسمية – وفي مقدمتها قرارات التبديل الجزئي للعملة – لم تنجح كلياً في إعادة توجيه الكتلة النقدية الضخمة نحو الجهاز المصرفي؛ لكون الشرايين التجارية وحركة التداول بين أقاليم البلاد لم تتوقف بصورة كاملة رغم ظروف الحرب، ولدواعي قصور التطبيق الشامل والتغطية الجغرافية لقرارات التبديل في الولايات والقطاعات غير الممسوكة، مما أفسح المجال للاقتصاد غير الرسمي للاستمرار والالتفاف حول المتغيرات الاحترازية والاستفادة من فجوات التداول.
إن تشخيص أزمة الثقة المستحكمة بين المواطن والبنك يستدعي مواجهة حاسمة لعيوب الأداء البنكي ومراجعة شاملة لطبيعة السياسات النقدية السائدة؛ فالخوف من الإيداع لم يعد مجرد انطباع نفسي أو حالة سلوكية عابرة، بل هو حصيلة تجارب تراكمية مريرة عانى فيها المودع من بطء المعاملات، وهشاشة شبكات الاتصال والدفع الإلكتروني، وصعوبة الوصول إلى أمواله الذاتية عند حاجته الماسة إليها. إن استعادة هذه الحلقة المفقودة ودفق الدماء مجدداً في جسد القطاع المصرفي يتطلبان تفكيك جذور هذه الريبة عبر معالجة الخلل المؤسسي، وإعادة بناء البيئة المصرفية لتعود خياراً آمناً ومجدياً يضمن السلاسة والمرونة، ويوفر للمواطن الدافع المادي والعملي لنقل أمواله من جدران الخزائن المغلقة إلى مجرى الدورة الاقتصادية للبلاد.
إن تجفيف منابع النقد الموازي وإغلاق الشرايين غير الرسمية لا يتأتيان بالقرارات الإدارية وحدها ولا بالمعالجات الأمنية الروتينية، بل يستلزمان انتقالة نوعية تفترض استيعاب تلك الكتلة المكتنزة عبر أدوات استثمارية جديدة وتحول شبكي شامل؛ وهو ما يضع البنوك السودانية ووزارة التحول الرقمي والبنك المركزي أمام اختبار حقيقي لإعادة تعريف دورهم الوظيفي، والتخلي عن الأنماط التقليدية للتحول نحو أبتكار منتجات وحلول جاذبة، وهو ما سنفصله بالتحليل والرؤية العمليّة في المقال القادم.