أخبار رئيسيةالأخبار

جراح الفاشر.. شهادة ناجٍ من “مذبحة المستشفى السعودي” ومليشيا الدعم السريع تحتجز 22 طبيباً

دارفور – محمد زكريا

في غرفة صغيرة بأم درمان، جلس الدكتور عز الدين أحمد داؤد أسو، الذي تحول إلى رمز للصمود في دارفور، ليحكي لـ”الاحداث” تفاصيل مذبحة “المستشفى السعودي” بالفاشر، التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع أواخر أكتوبر 2025.

وقال أسو لـ”الاحداث” إن الطاقم الطبي المكون من عشرة أطباء فقط ظل صامداً طوال 18 شهراً من الحصار، يؤدون أكثر من 1200 عملية جراحية تحت ضوء الهواتف المحمولة، في ظل انعدام شبه كامل للتخدير والمستلزمات الطبية.

وأضاف: “كنا نسمع القذائف تنهش الجدران من حولنا، لكننا أصررنا على أن نكون خط الدفاع الأخير عن حياة المدنيين”.

وتابع: في صباح يوم سقوط الفاشر (26 أكتوبر 2025)، حاولت الفرار مع زملائي غرباً، لكن مليشيا الدعم السريع كانت تنتظرنا عند أحد الحواجز. أصيب زميلي الطبيب الهادي حسن برصاصة في عنقه. مات بين يدي، وأنا عاجز عن فعل شيء. كان رفيق دربي في كل شيء.

مذبحة “المستشفى السعودي”

بعد السيطرة على الفاشر بأيام، تحول المستشفى السعودي، آخر معقل طبي يمد المدينة بالأمل، إلى ساحة قتل جماعي على يد مليشيا الدعم السريع.

ففي 28 أكتوبر، اقتحم مسلحو المليشيا المستشفى وأطلقوا النار عشوائياً على المرضى والمرافقين دون تمييز.

وفي بيان صادر عن منظمة الصحة العالمية، أدانت المنظمة المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من 460 مريضاً ومرافقاً، واختطاف ستة عاملين صحيين، بينهم أربعة أطباء وممرضة وصيدلاني.

وأكد البيان أن مستشفى الولادة السعودي كان المرفق الصحي الوحيد الذي يعمل في الفاشر، وتعرض للهجوم للمرة الرابعة في شهر واحد.

من جانبه، قال المتحدث باسم شبكة أطباء السودان، د. محمد فيصل، في تصريحات سابقة، إن “قوات الدعم السريع لم تقتحم المستشفى السعودي فقط بل اقتحمت أيضاً مستشفى الفاشر التعليمي، وبدأت بإطلاق الرصاص على المرضى في صالات الانتظار، ومن ثم اقتحمت العنابر وقامت بقتل جميع المرضى المنومين فيها”. وأضاف أن “قوات الدعم السريع اختطفت 6 كوادر طبية وطلبت فدية من أهاليهم، وحتى الآن أخبارهم مقطوعة”.

تكريم من مني أركو مناوي

بعد رحلة عذاب طويلة مشياً على الأقدام وسط الجثث المتناثرة والعطش الشديد، وصل الدكتور أسو إلى أم درمان، حيث كرمته القوة المشتركة “محور الخرطوم”، بقيادة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، بسيارة حديثة، تقديراً لصموده الأسطوري وتضحياته الجسام تحت القصف.

وفي هذا السياق، قال الصحفي الدكتور محمد اتيم ل (الاحداث) : “وسط غبار المعارك وأزيز الرصاص الذي لم يهدأ في الفاشر، تبرز أحياناً قصص إنسانية تعيد لنا الثقة في معدن الإنسان السوداني الأصيل. لقد كنت شاهداً على “عز الدين” وهو يتحول إلى منارة للأمل في عتمة النزوح والألم. لم يكن مجرد كادر طبي، بل كان جندياً مجهولاً يقاتل الموت بسماعة ومشرط واضاف كنت رفيق الدكتور اسو في الفاشر وقد خرجنا معا يوم السقوط حتى وصلنا منطقة طويلة ثم غادرنا إلى تشاد.

لكن التكريم، رغم رمزيته، لم يعوض الطبيب الجراح ما خسره: فقد خسر زملاءه، وخسر مستشفاه، وخسر مدينته التي تحولت إلى أشباح تحت سيطرة المليشيا.

البرهان وتقدير الأطباء

في خطابات سابقة، أكد رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، على مكانة الأطباء والكوادر الطبية في الحرب، مشدداً على أنهم “خط الدفاع الأول عن الشعب السوداني”.

وزار البرهان في نوفمبر 2025 مخيم العفاض بمدينة الدبة، الذي يؤوي آلاف النازحين الفارين من الفاشر، حيث التقى بالنازحين واستمع إلى معاناتهم.

وكان البرهان قد أشاد في أكثر من مناسبة بصمود الكوادر الطبية في ظل الحرب، مؤكداً أن “الأطباء والممرضين هم جنود يضحون بأرواحهم في معركة الكرامة، وإن استهدافهم يعد جريمة حرب لن تسقط بالتقادم”.

ويرى مراقبون أن تقدير البرهان للأطباء لم يترجم بعد إلى خطوات ملموسة على الأرض، فالكثير من الكوادر الطبية لا تزال تحت الحصار أو تعاني شح الإمدادات، فيما تنتظر أسر الضحايا والمختطفين التفاتة رسمية تنصفهم.

أرقام صادمة عن المعتقلات والأطباء المحتجزين

كشفت شبكة أطباء السودان، في تقرير اطلعت عليه “الاحداث”، أن مليشيا الدعم السريع لا تزال تحتجز 22 طبيباً، بينهم 4 طبيبات، في ظروف لا إنسانية داخل سجون سرية بالفاشر.

وكشف التقرير أن إجمالي المحتجزين في معتقلات المليشيا بالفاشر يبلغ 2,377 شخصاً، بينهم 426 طفلاً و370 امرأة، موزعين على سجن شالا ومستشفى الأطفال والميناء البري، إضافة إلى حاويات تستخدم زنازين.

ووثقت الشبكة إعدام 16 مدنياً داخل داخليات جامعة الفاشر على أساس إثني في فبراير الماضي، وانتشار وباء الكوليرا في مراكز الاحتجاز بسبب انعدام النظافة، ما أسفر عن أكثر من 300 وفاة خلال شهرين فقط.

تنديد دولي واستمرار الصمت

أكدت منظمة الصحة العالمية، في تحديثها الإعلامي الصادر في 14 أبريل 2026، أن 37% من المرافق الصحية في السودان لا تزال خارج الخدمة، وأن أكثر من 4 ملايين شخص يعانون سوء التغذية الحاد في عام 2026.

كما أوضحت المنظمة أن 34 مليون شخص، أي نحو ثلثي السكان، يحتاجون إلى مساعدات عاجلة، ووثقت 217 هجوماً على قطاع الرعاية الصحية منذ بدء الحرب، أسفرت عن 2,052 وفاة و810 إصابات.

ورغم تزايد الأدلة على الفظائع، لا يزال العالم يتفرج على مأساة القطاع الصحي في دارفور، فيما تطالب منظمات حقوقية بتحقيق دولي مستقل في جرائم مليشيا الدعم السريع.

جراح بلا وطن

ويختتم الدكتور أسو شهادته لـ”الاحداث” قائلاً: “الاستهداف المتعمد للمستشفيات والكوادر الطبية ليس مجرد خرق للقانون الإنساني الدولي، بل إبادة ممنهجة للخدمات الصحية بأكملها في إقليم بأكمله. ما رأيته بأم عيني لا يمكن وصفه إلا بأنه إبادة جماعية بطيئة”.

وختم: “لقد أصبحت جراحاً بلا وطن، لأن مدينتي الآن لم تعد سوى ذاكرة مؤلمة” .

كارثة بالأرقام

· 22 طبيباً محتجزاً بينهم 4 طبيبات
· 2,377 محتجزاً في معتقلات مليشيا الدعم السريع بالفاشر
· 426 طفلاً و370 امرأة بين المحتجزين
· أكثر من 300 وفاة بالكوليرا خلال شهرين
· أكثر من 460 ضحية في مذبحة المستشفى السعودي
· 37% من المرافق الصحية في السودان خارج الخدمة
· 217 هجوماً على القطاع الصحي وثقته منظمة الصحة العالمية.

سقط المستشفى، وانطفأت آخر شمعة في سماء الفاشر الطبية. لكن شهادة الدكتور أسو ما زالت مشتعلة، تنقل إلى العالم تفاصيل جريمة لن تسقط بالتقادم.

فهل سيتحرك الضمير العالمي قبل أن تطوى صفحة الفاشر نهائياً ويسقط المزيد من الأطباء؟ وكم طبيباً آخر يجب أن يُدفن بمعطفه الأبيض قبل أن تنتزع العدالة حقها من قلب الظلام؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى