رأي

«جبل صهيون» يُشوِّش رادارات آبي أحمد

الفاتح عبدالله
بأقدام تضرب الأرض بقوة، تأكيدًا على تمسّكها بها والبقاء فيها، وتتزامن معها صفقات من أيادٍ مخضبة بالحناء، تبعث رسائل السلام والحرية والعدالة، ورقصات تؤديها حسناوات التقراي الجميلات، وتتلاعب على خصورهن قلادات صُنعت من العشب الأخضر؛ كانت بداية احتفالات عيد الفتيات، أو ما يُعرف بـ«أشندا»، الذي جاء في صورة عرض تراثي في غاية الجمال والروعة، أُقيم في عدد كبير من مدن العالم، من بينها منطقة ود الحليو في شرق السودان.
وجاء احتفال هذا العام، وعلى الرغم من النزوح ووَطأة الحرب التي يعيشها الإقليم، تحت شعار: «من أجل السلام الدائم والسيادة وتعزيز الصداقة بين الشعوب».
وتضع احتفالات عيد الفتيات قائدهم الحالي أمام تحدٍّ من أجل تحقيق رغبات وطموحات شعب تيقراي، الذي يعاني ويلات الحرب مع الحكومة الفيدرالية.
وإقليم تيقراي، الذي يُطلق عليه «رحم الأمة»، ظل منذ بداية تسعينيات القرن الماضي المتحكم الأول في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، من خلال حكمه لإثيوبيا ضمن التحالف الذي قاد إلى إسقاط نظام منغستو هيلا مريام.
وفي عام 2018، حدثت تغييرات سياسية كبيرة في الهضبة الإثيوبية، جاء على إثرها رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد إلى منصبه، وغادرت جبهة تحرير تيقراي السلطة، وانكفأت على إقليمها، ورفضت الذوبان في حزب الازدهار الذي كوّنه آبي أحمد لإدارة البلاد.
ودخلت السلطة في أديس أبابا في مناوشات صامتة مع جبهة تيقراي، التي فضّلت إدارة الإقليم من العاصمة ميكيلي، لكن سرعان ما ظهرت الخلافات بين الطرفين على السطح، وتفجرت الحرب بينهما في نوفمبر عام 2020، حتى استطاعت اتفاقية بريتوريا للسلام إسكات أصوات البنادق وأزيز المسيّرات.
وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، غادر الطالب مقعده الدراسي في جامعة أديس أبابا، مفضّلًا الالتحاق بصفوف جبهة تحرير تيقراي. وكان الطالب حينها لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وكان يتصف بالذكاء والهدوء بين أقرانه الطلاب.
وفور وصوله إلى جبهة القتال، أظهر الشاب نوعًا غريبًا من الذكاء والاهتمام بأمور من شأنها تغيير بوصلة الحرب مع النظام في أديس أبابا، مما جعل القيادة تلحقه بالوحدة الفنية التي كان من صميم عملها التنصّت والتشويش على موجات إرسال الجيش الإثيوبي.
وابن مدينة شيرالتي، التي تشهد حاليًا عمليات عسكرية بين حكومة آبي أحمد وجبهة تيقراي، لم يخذل قيادته في تلك الفترة؛ فقد استطاع، بعد عودته من إيطاليا التي سافر إليها بوثيقة سفر مزورة، ودرس في أحد المعاهد المتخصصة في الاتصالات السلكية واللاسلكية، أن ينشئ إذاعة محلية أسهمت في نشر الوعي بقضية الإقليم وسط أبنائه.
وكان رأيه أن هذه الإذاعة ستساعد الجبهة كثيرًا من خلال ما تقدمه من معلومات حقيقية عن الحرب وعن فساد الحكومة الإثيوبية.
وسريعًا ما قطفت جبهة تحرير تيقراي ثمار دراسته في إيطاليا، من خلال قدرته العالية على التشويش والتنصّت على مكالمات الجيش الإثيوبي، وكشف خططه العسكرية وتحركات قواته، مما غيّر مجريات الحرب، واستطاعت الجبهة أن تحقق انتصارات كبيرة كان له فيها جهد استخباراتي كبير.
وبعد تسلّم جبهة تحرير تيقراي الحكم في إثيوبيا، لعب دورًا كبيرًا في صناعة البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية في بلاده من خلال منصب وزير الاتصالات، ونجح في تلك المهام بصورة كبيرة.
والدكتور دبرصيون، الذي يعني اسمه «جبل صهيون»، وجبر ميكائيل، الذي يعني «خادم القديس ميكائيل»، عُرف عنه دائمًا العمل خلف الأضواء، ويحرص كثيرًا على تجنبها، وهو في غاية البراعة في ترك بصمته في كل ما يقوم به، ويمتلك صفات القائد الحقيقي.
وقد وضعته الأحداث الأخيرة التي تشهدها بلاده منذ سنوات بين سندان السلطة وأحلام وتطلعات مواطني الإقليم.
وخلال الحرب الأخيرة، التي دارت معاركها على أرضه قبل سنوات، سرت إشاعة قوية بأنه لقي مصرعه، لكنه فاجأ الجميع بالظهور بعد اختفاء استمر زهاء سبعة أشهر. وظهر بملامح تبدو أكثر صرامة، حينما ردد النشيد الوطني للإقليم، وترسل عيناه الصغيرتان تحديًا كبيرًا إلى سلطة أديس أبابا.
وقام بجولة في الإقليم، مخاطبًا شعبه بأن هذه الحرب فُرضت على جبهة تحرير تيقراي، وأنه لا يريد خوضها، بل يسعى لتحقيق السلام وكرامة شعبه.
ويرى الصحفي الإريتري المقيم في أستراليا، جمال همد، أن قائد جبهة تيقراي من الجيل الثاني للجبهة، ومتخصص في الاتصالات والشبكات، ويعتبر من الذين لعبوا دورًا كبيرًا في المراجعات التي أجرتها قيادة الجبهة بعد فقدانها السلطة المركزية، حيث عاد الجميع إلى الإقليم، وجرت تلك المراجعات من خلال ندوات وورش عمل عامة بمشاركة جميع القيادات التي أُبعدت في الفترة الماضية.
ويرى البعض أنه بعد اتفاقية السلام، ضربت الخلافات الداخلية الجبهة بين الفصيل الذي يقوده جيتاشيو، الموالي لآبي أحمد، وزعيم الجبهة الذي سيطر على جميع مدن الإقليم واعتقل جميع القادة الموالين لآبي، الذي نصح زعماء تيقراي بحل قضاياهم عبر الحوار وتجنب الدخول في حرب.
إلا أن الصحفي السوداني المتخصص في قضايا القرن الأفريقي، محمد حامد جمعة نوار، يشير إلى أن الأوضاع في جبهة تحرير تيقراي ليست مثالية، حتى تنجح القيادة الحالية في إحداث تحولات كبيرة في المشهد العملياتي والسياسي في إثيوبيا؛ وذلك لأنها خرجت من حرب كبيرة وثقيلة خلال الفترة ما بين عامي 2020 و2022.
وأدت هذه الحرب إلى تآكل قواتها العسكرية، كما أن اتفاقية السلام أسقطت الحكومة القائمة، وجاءت بغيتاشو ردًا ورئيس الأركان السابق صادقان، وهما منشقان عن الجبهة، وأسسا حزبًا سياسيًا، وهو الفصيل الأقرب إلى الاتفاقية.
ولكن الجبهة حاليًا، وعلى الرغم من سيطرتها على الإقليم، تعاني بعض الإشكاليات، منها أنها محاصرة في الإقليم من جهة الحدود السودانية من قبل الحكومة الإثيوبية وبعض المليشيات المنشقة عن الجبهة، ومن الشرق جبهة العفر، التي يصعب إحداث اختراقات فيها، ومن الجنوب جبهة الأمهرا.
وعلميًا، فإن الإقليم محاصر، وربما يكون له انفتاح تجاه إريتريا، وليس لذلك أثر إلا في حالة دخول أسمرة مباشرة لدعم القيادة الحالية. ولكن حاليًا، فإن الجيش الإثيوبي أفضل بكثير من جبهة تحرير تيقراي.
وعطفًا على حديث نوار، فإن اختيار جبهة تحرير تيقراي، قبل سنوات، لدبرصيون، الذي يُعتبر من الجيل الثاني لها، لقيادة الجبهة، تريد أن ترسل للعالم رسالة فحواها أنها ما زالت متمسكة بقياداتها التاريخية، وتؤكد بهذا الانتخاب تمسّكها بدورها المحوري في القرن الأفريقي وإثيوبيا، وأنها تحت قيادته بإمكانها أن تعبر إلى قمة السلطة وتحقق طموحاتها السياسية التي فارقها طيفها منذ سنوات.
إلا أن الصحفي جمال همد يتفق مع نوار في وجود صعوبات تواجه دبرصيون، وهذه الصعوبات، حتى يتجاوزها، تحتاج إلى توافق كل الأطراف، وهذا الأمر صعب حاليًا، على قاعدة أن الرفاق إذا اختلفوا يصعب عليهم الاتفاق مرة أخرى، خاصة أن ما بينه وبين الطرف المناوئ وصل إلى حد التخوين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى