✍🏼 سليمان أبوصالح
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أن نصل للوضع الأمثل الذي نتمكن فيه من تداول السلطة المنتخبة والدستورية بشكل سلمي، هل قدر هذا البلد الضخم معلق ما بين الأحزاب السياسية والتنظيمات السياسية العسكرية والمؤسسة العسكرية؟ يحاول المقال الإجابة على هذا السؤال.
التمويل واستقلال القرار
تحتاج مواعين العمل السياسي والأطر الفاعلة في العمل العام إلى التمويل لممارسة أنشطتها بشكل مؤثر، لكن الأحزاب السياسية والحركات السياسية العسكرية ومنظمات المجتمع المدني وحتى الحركات الإجتماعية جميعها تواجه بخطر عبور الحد الفاصل ما بين التمويل الأخلاقي والتمويل غير الأخلاقي، فالحزب الحاكم أو التحالف الحاكم الذي يتلقى تمويله من خزينة الدولة وامتيازات حامل القلم يكون فد فقد المصداقية تماما وعبر إلى الجانب غير الأخلاقي من التمويل، والحركة السياسية العسكرية التي تمول نشاطها من دول ومؤسسات لها مصالح وغايات متضارية مع المصالح الوطنية تكون أيضا في الجانب غير الأخلاقي من أساليب التمويل، وغالبا ما تقع هذه الأطر المتجاوزة لأخلاقيات التمويل المشروع في فخ الميكافيلية حيث الغاية تبرر الوسيلة، فيتم الإستدراج إلى أن تصل إلى مرحلة التبعية وفقدان الإرادة، وسرعان ما يتكشف لها ضخامة المنظومة التي تمول وتفرض الأجندة، ولكن عند الوصول إلى هذه النتيجة تكون فرصة الإنفكاك عن سيطرة الممول قد ولت.
إذا فإن غموض مصادر التمويل وغياب الشفافية ونظم المساءلة قد يعرض جميع هذه الأطر لمشكلات معقدة، أهمها فقدان الإستقلالية،، الإنحراف عن الأهداف المعلنة وإمكانية خلط التمويل بأنشطة غير مشروعة مثل أموال تجارة المخدرات وغسل الأموال وأنشطة الاقتصاد الموازي وحروب الوكالة. ولهذا فإن سؤال (من أين لك هذا) على بساطته، تعجز معظم هذه الأطر عن الإجابة عليه بشكل مباشر وصادق، فيهتز عندها الأساس الأخلاقي الذي يمكنها من طرح ذات السؤال على السلطة الحاكمة وحاشيتها، ليجد الشعب نفسه أمام معادلة مختلة في الطرفين.
قاذف البارود وحامل المعرفة
على مدى التاريخ السياسي الحديث في السودان وقع جل الذين جلسوا على كرسي السلطة في خطأين متداخلين، الأول هو القفز إلى قيادة الدولة دون رؤية وطنية جامعة، والثاني هو ترجيح قاذف البارود على حامل المعرفة، فنتجاوب الحلول غاابا مع خطابات المظلومية والطموحات السياسية المحمولة على أفواه البنادق وليس مع التحليل الاستراتيجي أو السياسي أو سواه من الأدوات العلمية التي تخاطب فعليا لاشكليا جذور المشكلات، وبالمحصلة تزداد المشكلات تعقيدا بسبب الابتعاد في كل مرة عن مبادئ الحكم الرشيد وتكريس منطق القوة في انتزاع الحقوق وشرعنة التمثيل السياسي دون تفويض انتخابي، فضلا عن تعقيد مشكلات التنمية والهوية بإدخال بنود جديدة لا تكن حاضرة لحظة تقاسم الثروة والسلطة، وأكثر هذه البنود حساسية هي الحصانات والامتيازات التي يحصل عليها قاذف البارود باسم منطقة أو مجموعة سكانية لا يملك أي تفويض صريح أو ضمني منها، فتنشأ من جهة أولى حالة من التضخم في هذه التنظيمات ومن جهة أخرى تنشأ حالة من الانشطار والتوليد لهذا النموذج داخل ذات المجموعة السكانية وخارجها طمعا في الوصول لذات الحصانات والامتيازات دونما استحقاق انتخابي، والأسوأ في جانب السلطة المركزية هو تكريس الحصانات والامتيازات التي تحصل عليها الحكومة المركزية المفاوضة نتيجة لهكذا اتفاق، وهي بالأساس الشرعية الشكلية والدعم الخارجي المشروط الذي يصاحب الاتفاق، والذي هو في الغالب جزء أصيل من عملية التفاوض، لكنه بعكس دوما أهدافا مغايرة بل ومناقضة في كثير من الأحيان للأهداف والغايات الوطنية.
إن خضوع الدولة لمنطق البارود في علاج قضايا شديدة العمق وتحتاج إلى حشد معرفي عميق هو من أسوأ ما يمكن أن تتعرض له أي دولة، فمن جانب الحكومة يتجاهل هذا المنطق مشهدا مركبا خلف بندقية التمرد، وهو مزيج من قضايا الداخل مثل التنمية والهوية والتمثيل السياسي ونظام الحكم، بالإضافة إلى قضايا ذات بعد خارجي شديد التأثير ويظهر في صراع المصالح والصراع الإستراتيجي الدولي والتنافس على الموارد. أما قاذف البارود من جهة أخرى فيتجاهل تبعات ومتطلبات تمويل أنشطته،، فيظهر التناقض ما بين الشعارات المرفوعة والممارسة الفعلية، ويظهر كذلك العجز عن الاستقلال عن أجندات وتأثيرات الجهات التي تمول، فتمويل التمرد لبس خدمة إنسانية وإنما وسيلة سياسية تنجح عندما يصل قاذف البارود إلى كرسي السلطة، حتى وإن خلصت النوايا. وكثيرا ما تظهر مركزيات داخل إطار التمرد تتجاوب مع نظيراتها في الحياة المدنية وبدون إطار سياسي معلن، فتتحالف رؤوس الأموال وينمو الاقتصاد الموازي وتعقد الصفقات تحت الطاولة وتتماهى الرؤى في العلاقات الخارجية وتبتعد القيادة عن القضايا المرفوعة وتصبح السياسة مهنة يعتاش عليها قاذف البارود، وبالتالي يصاب بكافة العلل والأمراض التي تعاني منها الأحزاب وتعجز عن مخاطبتها بشكل جدي، فيصبح من الطبيعي نشوء تحالفات مدنية عسكرية خالية من أي رؤى عميقة تخاطب وجدان الشعب وتعبر عن ضمير الأمة.
إذا، في الوقت الذي تتعقد فيه دوليا السياسات الخارجية بدرجة غير مسبوقة ويستعصي على كبريات مراكز التفكير وصنع القرار الإلمام بكافة الجوانب المطلوبة لاتخاذ القرار في كثير من الدول المهمة، يزداد محليا في السودان تسلط قوة البندقية على قوة العلم والمهنية، وتتراجع مكانة المعرفة في بنية السلطة، ويصبح المدخل الأبرز لكرسي السلطة هو حمل السلاح أو التماهي مع حملة السلاح وليس الإستناد على المعرفة وتفويض الشعب.
والسؤال هنا هو: إذا كان بإمكان مجموعة محدودة من الرجال الوصول إلى السلطة عن طريق الحصول على تمويل ما وتقديم خطابات مظلومية أو مناطقية للرأي العام والمحلي، فما الذي يشجع الأحزاب السياسية وأطر العمل العام الأخرى على تطوير بنيتها الهيكلية وتطوبر آلباتها في مسيرة التحول الديمقراطي المتعثر، ما الذي يغري أصحاب الرؤى في الحرب الحالية من المقاتلين الشباب في كافة أقاليم السودان في السير عبر المسار المدني الطويل لتحقيق رؤاهم, ما الذي سيشجعهم على عدم إتباع هذا النموذج الذي يحمل السياسة على فوهة البندقية للوصول السريع إلى مركز الحكم؟
ما الذي يشجع الحزب السياسي على عدم التماهي مع التنظيمات السياسية العسكرية إذا كان البارود أنجع من الرؤى السياسية الرصينة وأكثر إسماعا من صوت الحكمة؟ لكن من زاوية أخرى، ما الذي يدفع الحكام إلى تجاهل واستبعاد الخبراء والمهنيين المستقلين من المشهد العام؟ لماذا يخشاهم الحكام رغم مهنيتهم الصرفة وعلمهم الغزير وزهدهم في السلطة؟
مفارقات مبادئية
في هذا الوضع الصعب تتجلى مفارقات كبيرة في هذه الأطر، فتغيب الديمقراطية داخل الأحزاب المنادية بالديمقراطية، وتتحالف القوى المدنية مع القوى العسكرية التي تؤمن بالوسائل العنفية. و تطغى الأجندة السياسية والخارجية على الأجندة المجتمعية والوطنية في كثير من ممارسات منظمات المجتمع المدني والتي يفترض فيها خدمة قضايا المجتمع وفقا لاحتياجاته وأولوياته المحلية. أما التنظيمات السياسية العسكرية فتفرض الرأي السياسي لقياداتها ليس عبر المؤسسية التي تنادي بها وإنما عبر القوة أحيانا والمراوغة أحيانا والنفوذ المناطقي أحيانا على أجهزتها الداخلية، بل وعلى المجتمع ككل بعد الوصول إلى السلطة.
في إحدى الحوارات إبان فترة إتفاقية السلام الشامل بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، ورد على لسان دكتور لام أكول أحد أبرز قيادات الحركة الشعبية العبارات المهمة التالية والتي تصلح كمثال شارح لما هو مطروح في هذا المقال، حيث يقول: الحركة الشعبية ليست فيها ديمقراطية – المكتب السياسي للحركة الشعبية معين – أول طلقة أطلقت من الحركة الشعبية كانت ضد المنافسين في الفيادة.
إذا في 2005، وتحت ضغط خارجي، أبرم إتفاق مصيري بين حزب سياسي غير مفوض إنتخابيا وحركة سياسية عسكرية خالية من الديمقراطية الداخلية، وكلاهما لديه تيارات داخلية متناقضة حول القضايا الأساسية، والنتيجة هي إنفصال جنوب السودان دون حتى الإتفاق على حدود الدولة الجديدة، ورفض الحركة الشعبية انسحاب الفرقتين التاسعة والعاشرة من شمال السودان (النيل الأزرق وجنوب كردفان)، لتنتقل بالتالي للعمل في مسرح العمليات رقم إثنين، فأضيفت كلمة (شمال) لمسمى الحركة الشعبية الجديدة التي أعيد تأسيسها على الفرقتين التاسعة والعاشرة، ليستمر النزاع إلى الآن.
جرأة التمرد، ذرائعية الأحزاب وإمتثال الخبراء
إذا نحن أمام وضع استثنائي في كافة الأطر المؤثرة:
شربحة المهنيين والخبراء، تعاني من عجز مزمن عن استدامة التأثير في المجال العام، والخوف من مترتبات الضغط المباشر على صناع القرار. فبينما تتجرأ الحركات المتمردة على المطالبة بحقوق سياسية واقتصادية مدعية تمثل إقليم أو منطقة ما، وتتجرأ الأحزاب السياسية بالتحدث باسم جموع الشعب وكثيرا ما تنجح في الوصول للسلطة بطرق غير إنتخابية، يتشبث الخبراء وأصحاب المعارف بالأطر الشكلية والاعتبارات التنظيمية الغارقة في الديوانية، في ظاهرة إمتثالية غير صحية بالنظر لضغط الواقع والعمل المأمول من شربحة ضخمة وذات قدرات استثنائية.
أما التنظيمات السياسية العسكرية، كما أوضحنا، فكثيرا ما تعجز عن الإنفكاك عن مستحقات تمويل أنشطتها، فضلا عن أنها وبحكم التكوين عاجزة عن تمثيل المجموعات السكانية بشكل عادل في مركز القرار، وهي تتحول إلى مركزيات تملك حصانات وامتيازات تضعها فوق القانون في كثير من الأحوال، وتتناقض مع المصالح الحقيقية للمجموعات السكانية التي تنتمي إليها، وربما تكون غير جاهزة لمتطلبات التنمية والتحول الديمقراطي، فمطلوبات تحويل خطاب المظلومية والمناطقية إلى رؤية وطنية جامعة وفلسفة نهضة وبرنامج للتعافي الإجتماعي وبرنامج إنتخابي يحتاج إلى كفايات سياسية عالية وقدرات إستثنائية وتجرد.
وإذا ما تتبعنا السلوك السياسي للأحزاب السودانية على وجه العموم فستبدو على الفور عدد من نقاط الضعف الهيكلية:
أولا، العجز عن التجديد والإنفكاك عن سلبيات التكوين، فمن الأحزاب ما نشأ مضادا للثقافة التركية ومناديا بالوحدة العربية، ومنها ما نشأ مناديا بالوحدة مع مصر ومنها ما ركز على قضية التحرر الوطني، وتتظيمات إسلامية نشأت مضادة للمد الشيوعي، وهكذا، غير أنه وبعد سبعة أو ثمانية عقود على فترة التأسيس تغيرت الظروف والتحديات، لكن بالمقابل لم تخطو هذه الأحزاب خطوات مكافئة لوتيرة هذه التغيرات، فصارت طاردة للشباب وللقوى الفاعلة في المجتمع وانتهى بها الحال كيانات ذات صبغة تاريخية.
ثاني نقاط الضعف في الأحزاب هي الذرائعية المفرطة، فكثير من الأحزاب تصنع نجاحها على أكتاف فواعل خارج بنيتها التنظيمية. فقد تمتطي هذه الأحزاب ظهر الثورة، وقد تتخفى خلف لافتة مهنية حتى تبدو مقبولة، وقد تخترق المؤسسة العسكرية عبر تجنيد الكوادر، وقد تستغل الطائفة وتوظف القبيلة، وقد تحالف قاذف البارود وتحمل البندقية، وفوق هذا فإنها قد تتجاوز كل الخطوط الأخلاقية والوطنية في علاقتها الخارجية. ونتيحة لهذا فأن الإنطباع الذي يرسخ في اللاوعي الشعبي نتيجة لهذا السلوك هو “الذرائعية المفرطة”، فمعلوم أن السياسة هي فن الممكن، لكن ما نراه هو أبعد بكثير فيما يبدو. فماذا يبقى من القيم المركزية لأي حزب يدرب أفراده عسكريا في أراضي دولة أخرى ثم يسعى لانتزاع السلطة بالبندقية كما حدث في 76 وتكرر كثيرا، خصوصا بعد مؤتمر القرارات المصيرية وقيام الأحزاب بتكوبن قوى مسلحة مثل جيش الأمة التابع لحزب الأمة وجيش الفتح التابع للحزب الإتحادي، والقوى اليسارية التي كونت قوات التحالف السودانية، إنتهاء بتحالف قوى الحرية والتغيير مع قوات الدعم السريع في أبريل 2023؟ ماذا يبقى من ألق في وجدان الشعب وهو يرى البيروقراطيتين المدنية والعسكرية على السواء ساحتين للعراك الحزبي والتنافس الأيدلوجي؟ ماذا يبقى من قوة جذب للأحزاب السياسية وهي تتخفى خلف صفة “المهنية” إدراكا منها لمقبولية هذه الصفة في الشارع العام وجزعا منها في ذات الوقت؟. إذا مهما تكن الدوافع، فإن الذرائعية المفرطة هي علامة سلبية بارزة في سجل كثير من الأحزاب السودانية.
أخيرا، وبالإضافة إلى ضعف الممارسة الديمقراطية داخل معظم الأحزاب السودانية، و فخ “فاقد الشيئ لا يعطيه” الذي تقع فيه الأحزاب نتيجة لهذا السلوك، فإن الغبن السياسي والغرق في وحل الخصومة السياسية والقضايا الآنية أسهم فيما يبدو في إنهاك هذه الأحزاب وإفتقارها إلى رؤية وطنية شاملة مبنية على البحث والدراسة والحوار.
لكن من زاوية أخرى، كيف يفسر الشعب تشجيع الحكومات المتعاقبة وتمويلها لفكرة عسكرة القبيلة؟ كيف نفسر أخلاقيا وسياسيا قوات الظل التي أنشأها المؤتمر الوطني أثناء حكمه، كيف قرأت الحكومات المتعاقبة “أحداث القردود” وشبيهاتها و “مذبحة الضعين” وشبيهاتها؟ وفي الوقت الراهن وبعد كل هذه التجارب القاسية، كيف يمكن تفسير التمويل الحكومي المستمر للتجنيد العسكري في الفصائل المسلحة الداعمة للجيش عوضا عن التجنيد المباشر في الجيش السوداني؟
الخروج من الأزمة
إن الحرب الدائرة حاليا في الإقليم هي جزء من مشهد لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي في إطار الشرق الأوسط الجديد ودولة إسرائيل الكبرى، وهذا أمر بات معلنا على أفواه المسؤولين الإسرائيليين. ومن البدهي أن أصحاب هذه الرؤية الإقليمية الواسعة والطموحة سيسعون بكل قوة لإفشال أي إختراق إستراتيجي في المنطقة وعلى الساحل السوداني على وجه الخصوص. وفي وضع بهذا التعقيد الداخلي والخارجي، لا يمكن تأسيس الحلول على الأيدلوجيا أو الرؤى الحزبية أو المناطقية أو التحالفات الخارجية الهشة. والبرغم من هشاشة كافة الأطر الفاعلة سياسيا في المجتمع حاليا إلا أن أكثرها قبولا وقدرة على إدارة الدولة في هذه المرحلة هي المعرفة والمهنية، لأنه لابد أن ننطلق من مسرح “محايد سياسيا” يوحد الإرادة الوطنية، يطمئن جميع الأطراف السياسية بخلو مناطق النفوذ السياسي من خصومهم في فترة الإنتقال السياسي، ويضع الخبراء وأصحاب المعرفة من المستقلين في صدر المشهد وإدارة الدولة بشكل مهني يعيد الإعمار ويؤسس لوضع طموح يعالج أخطاء الماضي ويمهد لانتقال سياسي ناجح.