تقدم الجيش و تداعيات معركة وسط الخرطوم

 

أبوذر علي الأمين ياسين 

الجدارة أو السرعة أو السهولة التي كسب بها الجيش معركة القصر الجمهوري، أو معركة وسط الخرطوم، أثارت الكثير من التداعيات التي تشيء بنهاية الحرب وقوات الدعم السريع. وكان أبرز هذه التكهنات تلك التي نحت لمحاولة فهم حجم المفاجأة التي وضع الجيش فيها كل الاطراف الموالية والمعادية وحتى تلك المحايدة في عظم الدهشة، كونها لم تكن في مجال التوقع أو حتى أفقه. خاصة مع كم الحقائق التي ظهر أثناء وبعد معركة وسط الخرطوم، سواء تعلق بحجم القتلى، أو حجم الذين فروا أو انسحبوا، وبكلمة واحدة حجم قوات الدعم السريع التي كانت تتواجد وسط الخرطوم. أو حجم العتاد والسلاح ووفرته الكبيرة وتنوعه وتطوره ودقة انتشاره، وكل الإمكانيات التي توفرت لقوات الدعم السريع لخوض معركة ليست كبيرة وحسب، بل صعبة حتى من حيث الزمن الذي يمكن أن تأخذه مع نوعية وكمية وحجم ذلك السلاح الذي كان بيد الدعم السريع لكنه تُرك هكذا يعرضه جمهور الناس مرة والجيش مرات على مواقع التواصل الاجتماعي، مخلفاً دهشة كبيرة على الجميع وسؤلاً حائراً… ما الذي حدث؟، لم نفهم؟. تلك هي الحالة التي تسود الآن ويحاول الجميع تفسيرها.

اعتقد أن الاستنتاج الاقرب لما وقع وأدى لكسب الجيش معركة القصر ووسط الخرطوم بيسر و تحكم، هي معلومات تسربت عن مكتب التحكم والسيطرة الذي تديره مجموعة ضباط اجانب على رأسهم أماراتي و استرالي متجنس وجنوب سوداني و أثيوبي، و الراجح أن مصدر هذه المعلومات هو الدعم السريع ذات نفسه. مكنت تلك المعلومات الجيش من حسم كل معركة ولاية الخرطوم بضرب هذا المكتب والذي جاءت تداعياته أولاً على معركة القصر ذاتها ووسط الخرطوم بعدها ثم سريان حمى الهروب التي شملت كل وجود لقوات الدعم السريع بكامل الولاية.

الذي يدعم ويرجح أن مصدر المعلومات هو الدعم السريع الاحداث التي سبقت و تزامنت وأعقبت معركة القصر ووسط الخرطوم. منها خطاب حميدتي قبل ايام من اجتياح الجيش لوسط الخرطوم، كان تمسك حميدتي بوسط الخرطوم والقصر تحديدا أقوى وأوضح ما جاء بهذا الخطاب. ثم معلومات سربها الجيش للصحفيين وجرى نشرها، فحواها أن حميدتي موجود بالقصر، و أنه خرج قبل هجوم الجيش بلحظات متجهاً غرباً، ثم احداث الهروب أو الانسحاب الواسع لقوات الدعم السريع دون سحب اسلحتهم على كثرتها و نوعيتها المتطورة وكأنهم تعمدوا تركها كونهم لم يأخذوا منها حتى ما يتيح لهم خوض معركة انسحاب ما، أياً كانت.

أعقب ذلك منشورات كثيرة على وسائط التواصل الاجتماعي تتناول اضطراب كبير وقع للكفيل الاماراتي وحديث عن وثائق وأوراق وأجهزة تلفونات فيها معلومات تواصل بين الامارات ومجموعة ضباط مكتب التحكم والسيطرة وبينهم حميدتي، ورشاوى ومحاولات لمنع وصول تلك الوثائق للجيش بأي ثمن.

مهاجمة القصر بتزامن مع خروج حميدتي، وترك الاسلحة ليعثر عليها المواطنين و الجيش، وهروب كل القوى من كل ولاية الخرطوم، كل ذلك يشيء بأن هناك بيعة تمت، وأن هذه البيعة الارجح خلفها الدعم السريع، وأنه قد بلغ تمام اليأس من كفيله الاماراتي وداعميه من الاسرائيليين والامريكان وغيرهم، وأنه قرر أن ينهي مشروعه الذي لم يكن أكثر من مشروع أسرة، والان حان وقت الحفاظ على أرواحهم وعلى ما تبقى لهم من ممتلكات.

هنا أيضا تولت وسائط التواصل الاجتماعي الحديث عن معاناة الامارات فيما يلي الاسلحة التي خلفها الدعم السريع، وأن الامريكان ستكون لهم وقفة بشأن الاسلحة، و البعض تحدث عن اتصالات وتحقيقات انطلقت فيما يلي موضوع الاسلحة، وأن الامريكان خاصة الكونجرس كان قد اتخذ قرارا بوقف بيع الاسلحة للامارات بسبب تغذية الامارات وامدادها قوات الدعم السريع بتلك الاسلحة وكان سلاح الامارات الوحيد هو الانكار أو التعهد بوقف الأمر.

وبالرغم مما يجري على الارض من معارك حقيقية لها آثار ونتائج، لكن الامر عند البعض مجرد تداعي لإتفاق وإلا لما استطاع الجيش كسب المعركة بسهولة وفي زمن وجيز؟. أصحاب هذا الاتجاه ينظرون الى التحركات السعودية التي جرت كلها قبل معارك القصر ووسط الخرطوم، و أن السعودية خلف الاتفاق الذي مكن الجيش من كسب معركة وسط الخرطوم وأدى إلى الخروج الكبير لقوات الدعم السريع (منسحبة) من كل مواقع تواجدها بولاية الخرطوم. بل هناك من يشير لإتفاق بدفع أمريكي وأنه دخل حيز التنفيذ منذ يوم 24 مارس 2025 ويخضع لمراقبة المبعوثة الامريكية، و أن ما يجري هو ما تم بجدة وهذا تنفيذه. رغم أن المعركة وقعت بعد هذا التاريخ وجرى فيها قتل كبير وسط قوات الدعم السريع والجيش، لم تنتهي المعركة تماما بل ظلت هناك معارك في أحياء الرياض ومناطق في غرب أمدرمان وجنوبها وأخرى هناك في جبل أولياء وما حولها.

لكن ما يجرى بعيداً عن أي تفسير لا يمكن إرجاعه أو تأسيسه على اتفاق جدة. ذلك أن الجولة السعودية والتي تمت باصطحاب السفير السوداني ومشاركته، والتي شملت أثيوبيا وجنوب السودان وتشاد، لم تستصحب طرفا آخرحتى نكون في إطار جدة واتفاقها، سيكون ذلك غريبا أن تصطحب معك أحد أطراف وساطتك. كما أن الامارات عملت على زيارة نفس الدول بعد ذلك، وهي التي من قبل تسببت في تجميد اتفاق جدة أساسا، وكان مسعاها هو محو أو تغيير أو اضعاف أي أثر للوفد السعودي الذي مر من هنا أو هناك.

هل اختار حميدتي أن ينهي الحرب على طريقة (علي وعلى حلفائي)، ضارباً بعرض الحائط كل مجهودات حلفاءه من تكوين القوات وتسليحها وتدريبها و تشوينها و الصرف عليها وفوق كل ذلك تأسيس الشركاته وامبراطوريته المالية؟، أم فتح طريقا لنجاته هو وأخوته مضحياً بجميع قواته ومناصريه ؟. تلك تساؤلات تطرحها الاحداث و تداعياتها التي لم تنتهي بعد، لكن الايام ستفصح عن كل سر ومخفي لتصل بنا قريبا الى ذلك المثل المصري الذي يقول (بكرة بي بلاش).

Exit mobile version