تغير العقائد الاستخباراتية اثناء سير المعارك مهارة اوجدها الجيش السوداني في حرب الكرامة

اعداد: لواءركن (م) دكتور علي محمد سعيد

لم تعد الحرب في القرن الحادي والعشرين امتدادًا خطيًا لحروب القرن العشرين، بل أصبحت ظاهرة مركبة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والنفسية. فقد أدّى تسارع العولمة، وانتشار التكنولوجيا، وتراجع الحدود الصلبة بين الدول، إلى نشوء بيئة صراعية لا تُدار فقط بالقوة المسلحة، بل بإدارة الإدراك والمعلومات.

وفي هذا الإطار، تصبح مسألة بناء القدرات الاستخباراتية عملية طويلة الأمد تتجاوز مجرد اقتناء التكنولوجيا أو توسيع الهياكل التنظيمية. فالاستخبارات العسكرية الفعّالة تُبنى عبر تراكم الخبرة، وتعلّم الدروس، وتطوير العقيدة، وتحديث التعليم والتدريب. إن المؤسسات التي تنظر إلى الاستخبارات بوصفها نشاطًا تقنيًا يمكن شراؤه أو استيراده، غالبًا ما تفشل في إدراك أن جوهرها يكمن في العقل التحليلي المؤسسي، وفي القدرة على إنتاج معرفة قابلة للاستخدام الاستراتيجي، لا مجرد بيانات أو تقارير. الا ان ديناميكية التحول واختصار كل تلك الخطوات هو ما ميز حرب الكرامة.

تعبر عقيدة الاستخبارات القتالية عن الإطار المفاهيمي والعملياتي الذي يحكم كيفية إنتاج الاستخبارات وانتاجها داخل ساحة القتال لدعم القرار العسكري المباشر، وليس فقط التخطيط الاستراتيجي. وهي تختلف عن الاستخبارات الاستراتيجية في تركيزها الزمني القصير، وارتباطها الوثيق بالفعل القتالي، وسرعة تحويل المعلومة إلى تأثير عملياتي.

يمكن تعريفها أكاديميًا على انها منظومة من المبادئ والتنظيمات والإجراءات التي تهدف إلى جمع المعلومات وتحليلها وتوزيعها ذات الصلة المباشرة بالعدو والبيئة القتالية، بغرض تمكين القائد من تحقيق التفوق العمليات والتكتيكي في الزمن الحقيقي أو شبه الحقيقي.

في سياق حرب الكرامة المفروضة على الجيش السوداني، تبرز هذه الحالة بوصفها نموذجًا دالًا على الفجوة التي قد تنشأ بين توافر المؤشرات الاستخباراتية المسبقة وبين القدرة الفعلية على ترجمتها إلى تفوق عملياتي حاسم. فعلى الرغم من وضوح دلائل الإنذار الاستخباري وتوفر حصيلة معتبرة من المعلومات حول نوايا العدو، وهي المرحلة الأكثر تعقيدًا في التحليل الاستخباري مقارنة بتقدير القدرات، إلا أن الواقع الميداني كشف عن تجاوز قدرات الخصم لما كان محسوبًا ضمن التقديرات الأولية. ويُعزى ذلك بدرجة رئيسية إلى الدعم الإقليمي والدولي الذي حظيت به الميليشيا، والذي لم يقتصر على الإسناد المادي التقليدي، بل امتد ليشمل توظيف وسائل تكنولوجية متقدمة وأساليب حديثة في حرب المعلومات، بما في ذلك إدارة الإدراك، والتأثير النفسي، والتشويش الإعلامي. وقد أسهم هذا النمط من الدعم في إعادة تشكيل ميزان القوة بصورة ديناميكية، ما أضعف فاعلية التقديرات الاستخباراتية القائمة على أنماط تهديد تقليدية، وأكد أن فهم النوايا، مهما بلغ من الدقة، يظل غير كافٍ ما لم يُقترن بتقدير مرن للقدرات المتغيرة، وباستيعاب عميق لأبعاد الحرب أظهرت التجربة القتالية للجيش السوداني خلال سير المعارك قدرة ملحوظة على تعديل عقيدته الاستخبارية القتالية في الزمن الفعلي، استجابةً لمتغيرات ميدانية معقّدة فرضتها طبيعة الصراع غير المتكافئ. فقد انتقلت الاستخبارات السودانية تدريجيًا من نمط يعتمد على التقدير المسبق والتخطيط المركزي، إلى نمط أكثر مرونة يقوم على الاستخبارات الاستشعارية في الزمن الحقيقي، (الطائرات المسيرة، المراقبة الالكترونية وأنظمة الإنذار المبكر) بما أتاح تقليص الفجوة الزمنية بين الاكتشاف والتحليل والتنفيذ. وفي هذا السياق، برز الدور المحوري للكوادر الهندسية من ضباط ومهندسي الجيش السوداني، الذين أسهم حسّهم الهندسي ومنهجهم التحليلي في توظيف الوسائط التقنية المتاحة، وتكييفها ميدانيًا لخدمة المتطلبات القتالية، سواء في فهم بيئة العمليات، أو تحليل أنماط تحرك العدو، أو التعامل مع الوسائل التكنولوجية التي استخدمها الخصم. وقد أفضى هذا التكامل بين الاستخبارات الاستشعارية والعقلية الهندسية إلى نشوء نمط عملي جديد للاستخبارات القتالية، يقوم على الابتكار، وسرعة التكيّف، وتعظيم الاستفادة من الموارد المحدودة، ما يعكس تحولًا عقائديًا من استخبارات تقليدية جامدة إلى استخبارات عملياتية ديناميكية قادرة على التعلم أثناء القتال وإعادة تشكيل أدواتها وفق معطيات الميدان المتغيرة الهجينة وحروب الجيل الجديد التي باتت تشكل الإطار الحاكم للصراعات المعاصرة.

Exit mobile version