تعليق على مقال السفير العبيد مروح بشأن الدعم السريع

محمد عثمان آدم

قرأتُ مقال السفير العبيد مروح بعنوان “شرتمة الدعم السريع.. هل هي الحل الأسلم؟”، وفيه تناول موضوع تفتيت مليشيا الدعم السريع، مع التركيز على سياق إنشائها وتطورها – إذ ركّز على الجوانب السياسية والاجتماعية التي يمكن أخذها في الاعتبار لمعالجة المشكلة من جذورها، و أتفق معه في استنتاجه بأن تفتيت مليشيا قوات الدعم السريع إلى فصائل، ما يعني إضعافها وبالتالي قمع التمرد بسهولة، كتكتيك مؤقت لإخضاع الميليشيا، أمرٌ جدير بالثناء. إلا أنه على المدى البعيد – استراتيجياً – ليس هذا هو الحل الأمثل، بل هو أسوأ خيار للسودان وجيرانه.

أولاً: ميليشيا عابرة للحدود

في الصراعات والسياقات السودانية السابقة، كانت المشكلة تكمن في التمرد القبلي الداخلي، والذي قد يشمل أحيانًا الجيش الوطني. ولم يسبق أن لجأت هذه الصراعات إلى امتدادات قبلية في دول أخرى، أو إلى مرتزقة، أو إلى تدخلات حكومية أجنبية مباشرة وسافرة. والأمثلة كثيرة: فالتمرد في شرق السودان لم يشمل امتدادات إريتريا أو إثيوبيا، وجنوب السودان لم يشمل امتدادات أوغندية أو كينية أو إثيوبية، وغرب السودان لم يشمل امتدادات قبلية تشادية أو من أفريقيا الوسطى أو ما دون ذلك جغرافياً و إقليمياً، أما هذا الصراع فيتعلق بميليشيات قبلية من خارج السودان. ولن تقتصر تداعيات التشظي على حدود السودان، بل ستمتد إلى جميع الدول المجاورة بشكل مباشر وفوري، ربما باستثناء مصر التي سيكون التأثير عليها غير مباشر و لكنه فاتك دون شك.

تلك الجماعات القبلية التي اكتسبت تكتيكات حرب الميليشيات، وراكمت خبرة، ليس فقط في استخدام الأسلحة والتكتيكات، بل أيضًا في مشاهدة محاولات اجتياح السلطة المركزية وتحديها، على سبيل المثال- حكومة الخرطوم المركزية- ستحاول دون شك إعادة التجربة نفسها عند عودتهم إلى أوطانهم الأصلية: تشاد، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وليبيا، وجنوب السودان، والنيجر، والكاميرون (كما ورد في كتابي “خلف خطوط الميليشيات”). ويشمل هذا ما أسماه الأستاذ العبيد مروح “الحزام الممتد من حدود السودان مع تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى غربًا عبر النيجر ومالي وجنوب ليبيا والجزائر، وصولًا إلى شمال نيجيريا وموريتانيا”.

لذا، من الحكمة سحق التمرد، ولكن من الضروري أيضًا إبقاء نواته و جرها إلى طاولة المفاوضات لنُحافظ على بعض التماسك والسعي لإنشاء نواة للتفاوض مع ما تبقي منها. فوجود كيان واحد، مهما كان ضعيفًا، سيُبقي الفتات تحت السيطرة. ومن هنا تأتي الخطوة الحكيمة المتمثلة في استقطاب المنشقين لتشكيل قيادة بديلة عند زوال القيادة الحالية. الخطوة الحكيمة هي استقطاب المنشقين لتشكيل قيادة بديلة عند زوال القيادة الحالية.

ثانياً: إضافةً إلى التداعيات التي ذكرها السفير العبيد، أودّ أن أشير مجددًا إلى استنتاجٍ توصلتُ إليه في كتابي القادم وهي أن هؤلاء المليشيا لا يساورهم أدنى شك في أنهم ورثة نبي الإسلام والقيم السامية التي جاء بها صلي الله عليه وسلم ، مع أنهم لم يُظهروا أيًا منها لا على مستوى القيادة ولا على مستوى القاعدة الشعبية. وكما قالت إحدى الحكامات (الشاعرات) التي اقتبستُ منها في كتابي المذكور آنفًا: نحن لا نؤمن إلا بالنبي محمد وبحميدتي. وقالت لي امرأة مسنّة أخرى، قبل سنوات من التمرد – أثناء الحج -: “نحن رعايا لحميدتي، ولسنا رعايا سودانيين”… وهذا الأمر لا يقتصر على من هم في السودان، بل يشمل جميع الجماعات البدوية شبه القبلية.

ولهذا ليس من المستغرب أن ينمو التطرف العنيف ويتكاثر في ظل التشرذم بين قوات الدعم السريع، بدءًا من جماعة بوكو حرام في أقصى غرب أفريقيا، وصولًا إلى حركة الشباب والقاعدة وداعش و دولة الخلافة وبوكو حرام… الخ

وكما قال السفير العبيد: “من منظور اجتماعي، نحتاج إلى دراسة الجماعات القبلية التي تجوب هذه المساحة الصحراوية الشاسعة، وتحليل البيئة الثقافية المحيطة بقبائل مثل التبو، والقرعان، والتيدا، والطوارق، والأزواد، فضلًا عن امتدادات قبائل البقارة في السودان، بما في ذلك الرزيقات، والمسيرية، والسلامات”. ذلك أمر واجب إلا أن البيِّـن و الواضح أن القاسم المشترك الأول بينهم هو أنهم جميعًا بدوًا، رعاة ماشية أو إبل. وقد تأثروا بشكل أو بآخر بالتغيرات المناخية التي شهدتها هذه المنطقة. ولن تزول هذه الظروف والتغيرات المناخية قريبًا.

لقد انقطعت سبل عيش هذه الجماعات؛ لذا سيبحثون عن بديل، مما يعني أنه بدون برامج تنموية فعّالة وقادرة على الصمود، ستبقى المشاكل نفسها كامنة، تتفاقم.

تفتقر الميليشيات الحالية إلى برنامج سياسي وبيان سياسي، ولذلك يتم جرّها إلى جماعات قحت وتأسيس، وهي من الذكاء الفطري اللماح الذي يجعلها تدرك جيدًا أنها تستغل. ولكن بمجرد أن تصل إلى مرحلة وضع بيان سياسي متماسك وسبب وجود واضح (ريزون دايتغ raison d’etre،) سيصبح التشرذم مستحيلاً. الحل يكمن في برامج تنموية اقتصادية ضخمة. رأس المال والموارد متوفرة. ويمتلك حميدتي مليارات الدولارات من الذهب، لكن افتقاره للرؤية والهدف جعله يستخدم هذه الثروة لتدمير شعبه فقط، معتقدًا أن التنمية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال سيطرته على الحكومة الفيدرالية: لم يتعلم من تجربة ولايات الجزيرة وشمال السودان والشمالية حيث يقود غمار الناس مشاريع التنمية والتعليم والخدمات الصحية والمشاريع الزراعية.

ثمة عنصر ثالث لم يتوسع فيه السفير العبيد -ربما لضيق المساحة- وهو البُعد الثقافي؛ فالنهب والسلب جزء من الثقافة، ولا يقتصر على هذه المنطقة من البلاد. يكفي النظر إلى شعر وأغاني الهمباتة و احتفاؤنا بها، فمهما حاولنا تجميلها أو تسميتها، تظل الحقيقة أنها تمجيد للسرقة والسطو المسلح وأسلاب الحرب. هذا أمرٌ يجب التفكير فيه مليًا في تلك المجتمعات، والتعامل مع الحكامات، ونشر التعليم، والتقليل من شأن هذه الممارسات، وإلا فإننا سنكون كما قال القائل: لا تنـه عن خلق و تأتي مثله (ازدواجية المعايير).

ثمة عنصر أخير لم تتناوله المقالة، وأعتبره بالغ الخطورة لما له من تداعيات مستقبلية: لقد حصدت الحرب أرواح مئات الآلاف من الشباب في تلك المجتمعات، كما هو الحال بين سكان دارفور عمومًا؛ فنحن سنواجه مئات الآلاف من الأرامل والشابات والأطفال الذين ينشؤون في هذا المناخ المسموم. وكلما أسرعنا في التفكير بكيفية احتواء هذا الوضع والتعامل معه، كان ذلك أفضل. وإلا فإن التشرذم لن يزيد الأمر إلا سوءًا. وكما قال السفير العبيد بذكاء:

“كل من يرغب في رؤية مثال عملي لمفهوم “الشرتمة” ما عليه إلا أن ينظر إلى خريطة السودان وحدوده الجنوبية بعد انفصال جنوب السودان”. و لعله يشير من طرف خفي الي مآلات الشرتمة!!

Exit mobile version