تعقيباً على مقال السفير العبيد : ثقافة مجتمعنا هي التي تشكل مؤسساتنا وسياساتنا (2-2)

بروفيسور إبراهيم محمد آدم

كانت خلافات الحكومات التي أشرنا إليها في المقال السابق سبباً في تعطيل مؤسسات البلاد و كانت مصدراً للدوامة التي سبقت الإشارة اليها، ففي 24-11- 1965م قامت الجمعية التأسيسية بحل الحزب الشيوعي الذي رفع دعوى في المحكمة الدستورية فأصدرت حكماً ببطلان الإجراءات التي اتخذتها الجمعية التأسيسية (لاحظ عزيزي القاريء إن اسمها كذلك ولاحقاً عقب سقوط نميري كانت بذات الاسم ولا زلنا حتى تاريخ كتابة هذه المقالات ونحن نتحدث عن الانتقال و العودة الى التأسيس) – لم يستسلم الحزب الشيوعي للحكم فرفع دعوى أخرى لدى المحكمة العليا والتي أصدرت قراراً بحل الحزب الشيوعي في 18مارس عام 1967م فلجأ الحزب إلى تنفيذ انقلاب مايو 1969 بقيادة جعفر نميري ورعاية زعيم الحزب عبد الخالق محجوب الذي كان معارضاً بصورة ما لفكرة الإنقلاب في بدايتها ثم أصبح مؤيداً لها بعد ذلك، ليهد المعبد على رؤوس الجميع. ولعل ذات الشيء فعلته الجبهة الاسلامية القومية بعد أن تعرضت لمخطط إقصاء عبر ذات الجمعية التأسيسية فقامت بانقلاب الإنقاذ في 30 يوليو 1989 وبذات الطريقة أصبح زعيم الجبهة الاسلامية وأستاذ القانون الدستوري عراباً للانقلاب حتى تم التآمر عليه من قبل إخوته وتلاميذه فأبعدوه عن السلطة، ولاحقاً سقطت الانقاذ في أبريل 2019م.

لذلك إذا أردنا معالجة الحاضر ورسم المستقبل علينا عدم تناسي مرارات الماضي بل وضعها على طاولة التشريح حتى نتجاوزها ولو على طريقة الحقيقة والمصالحة كما فعلت جنوب أفريقيا ورواندا وبورندي، وإذا تطرقنا لسؤال ذلك السياسي الجنوبي الذي التقاه كاتب المقال العبيد أحمد مروح عن دور الحكومات الوطنية في معالجة أوضاع ما قبل الاستقلال يمكن أن يرتد ذات السؤال لسياسيي الجنوب عن حال بلادهم اليوم بعد الانفصال حيث لا ينطبق عليها تماماً وصف الدولة الفاشلة.إن التعليم النظامي هو عامل تغيير قيمي نحن بحاجة ماسة إليه حتى نغير من اخلاقيات مجتمعنا من أجل أن ننشيء مؤسسات قابلة للاستدامة وقادرة على تبني وتطبيق السياسات، وعلينا أن نبدأ بدرج التلميذ، ففي الدول المتقدمة يُخصص درج للتلميذ من أول يوم يدخل فيه المدرسة وبناء على ترتيبه الأبجدي ويظل ذلك الدرج هو مكانه حتى مغادرته تلك المدرسة وعليه أن يحافظ على هذا الدرج سليماً نظيفاً، ومن هنا يتعلم المحافظة على المؤسسات العامة، وفي بعض الدول يقوم الطلاب والمعلمون بنظافة المدرسة، وقد كان هذا معمول به في العديد من المدارس الحكومية في السودان والتي أصبحت اليوم متراجعة جداً لصالح المدارس الخاصة التي قد لا تركز على تلك القيم، ومن هنا عليه أن يتعلم قيمة الوقت ففي تقسيم الحصص إلى أربعين دقيقة ونحوها تعليماً لقيمة الدقائق في حياة الإنسان كما أنه يجب أن يتضمن هذا منهجاً للتربية الوطنية في المدارس والعمل الطوعي في الجامعات لأنه في بعض الدول إلزامياً ويجب أن يحضر الطالب شهادة بذلك للكلية قبل أن يتخرج.

إن الجامعات اليوم هي موئل للنشاط الحزبي وعلى وزارة التعليم العالي وضع قانون موحد للنشاط الطلابي وتفعيل شرطة الجامعات، ففي العديد من الجامعات اليوم فإن أي طالب يرتكب مخالفة فالشرطي هو الذي يحضره لعميد الكلية للنظر في موضوع الاستدعاء، فغياب مثل هذه الترتيبات هو الذي أدى إلى انتشار العنف الطلابي والذي تذكيه الأحزاب والتنظيمات السياسية خاصة تلك التي تعتبر جناحاً سياسياً لحركات مسلحة مما يؤدي إلى انتشار ثقافة الكراهية والقتل على الرأي بدلاً عن احترامه، بل ويمكن للدولة تحريم النشاط السياسي نهائياً في الجامعات فقد تسبب في تأخير السنوات الدراسية لكوادر الاحزاب السياسية وإطالة سنوات الدراسة لطلاب لا ناقة لهم ولا جمل فيما يحدث خاصة في الجامعات الحكومية.

لقد سعدت بتطرق الدكتور ياسر يوسف لكتاب “لماذا تفشل الأمم” للكاتبين دان اسميوجلو وجيمس روبنسون من ترجمة بدران حامد وقد جاء ذلك الكتاب في ستمائة صفحة فانفقت فيه أياماً طوال وملخصه (أن المؤسسات التي يقيمها الإنسان وليس الموقع الجغرافي أو التاريخي هي التي تحدد ما إذا كانت دولة ما ستصبح غنية أو فقيرة ، وأن التطورات المؤسسية وانفتاح المجتمع ورغبته في وجود العمل الخلاق وحكم القانون يؤدي إلى التطور الاقتصادي. إن الدول تنجو فقط من شبح الفقر عندما تمتلك مؤسسات اقتصادية فاعلة ويكون لديها نظام سياسي تعددي، وأن النظام السياسي التعددي يعتبر اليوم من أرقى الأنظمة السياسية، ففيه يتم التداول السلمي للسلطة في سنوات محددة ولكن التجربة الحزبية في السودان كنا قد أشرنا إلى مسالبها في متن هذا المقال ونزيد على ذلك أن أحزابنا جميعها تفتقر إلى الممارسة الراشدة في التداول السلمي لرئاسة الحزب لذلك لا تنتقل الزعامة إلى شخص آخر إلا بموت زعيم الحزب أو الانقلاب عليه والانشقاق عنه، وهذا ينطبق على أحزابنا السياسية التاريخية مثل الأمة والاتحادي الديمقراطي والمؤتمر الوطني وكذلك الأحزاب اليسارية مثل الحزب الشيوعي والبعث وغيرها، بل ويشمل هذا حتى الحركات المسلحة التي أصبحت أيضا أسرية وقد انطلقت في بدايتها تدعي محاربة التهميش والبحث عن فرص في القيادة، وقد سُئل أحد زعماء هذه الحركات ذات مرة لماذا خرج عن حزبه ليؤسس الحركة فقال إنه إذا بقي في حزبه ربما يحتاج إلى مائة وخمسين عاماً ليصبح رئيساً.

إن الأحزاب السياسية أصبحت ظاهرة لا غنى عنها لكافة المجتمعات المتقدم منها والمتخلف على حد سواء، ورغم وجود الأفكار القائلة بأن الأحزاب السياسية مصدر للتشظي والانقسام ومدخل للصراع والفوضى كما لاحظنا، إلا إن علينا التحلي بنظرة واقعية ترى أن الأحزاب السياسية ضرورة ملحة في سوداننا الذي يتسم بالتعقيدات التي أشرنا إليها والتطورات السريعة السالبة التي جعلتها على شفا حفر ذلك الزلزال الذي عناه السفير العبيد أحمد مروح، وأن تعقيدات ذلك الواقع وتطوراته جعلت من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – أن نتصور مجتمعاً سياسياً دون أحزاب، كما أن البديل للأحزاب السياسية هو الاصطفاف القبلي والجهوي والذي يعتبر مهدداً أساسياً للوحدة الوطنية.

ولعله ليست من نافلة القول إن عالم اليوم قد أصبح في العقد الأخير من القرن العشرين ونهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين شاغله مجموعة من محددات مترابطة لا انفصام لها، أهمها التأثير العالمي المكثف المرتبط بالعولمة، وما وشاها من احتمالات كبرى بشأن أشكال من الائتلافات والاندماجات، أو النزاعات والتناقضات والتفكك ونحن نعاني من تجربة تفكك حزبي أصاب البلاد في مقتل وأصبح منفذاً للقوى الخارجية لاختطاف القرار من خلال مجموعات صغيرة مصنوعة ومتبناه من جهات أخرى تنفث سماً زعافاً .

يدعي كل حزب في السودان بأنه الأقوى والاقرب إلى نفوس الجماهير والأجدر بقيادة البلاد، وينحت كل حزب معياره للفاعلية مركزاً على جوانب تفوقه على الأحزاب والقوى الأخرى على الساحة السياسية، فمنها ما يركز على نتائج آخر انتخابات جرت في البلاد قبل نظام الإنقاذ مثل حزبي الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي الأصل أو الجبهة الاسلامية أو الحزب الشيوعي، ومنها ما يراهن على تغلغله وسط (القوى الحديثة) كالمؤتمر السوداني، ومنها ما يركن إلى الدور التاريخي، ومنها ما يسعى للتركيز على الشريحة القيادية وقدرتها على ابتداع الحلول، ومنها ما يباهي بقوة وتطور برنامجه، ومنها ما يثمن انتظام مؤتمراته وانتخاب قياداته بصورة دورية، إلى غير ذلك من المعايير .

إن العديد من شباب اليوم أصبحوا لا يعرفون شيئاً عن الأحزاب التقليدية وصدفوا عنها لأنهم لم يروا منها أدباً مكتوباً ولا برنامجاِ طموحاً يجعلهم مشدودين نحو السير على خطى آبائهم وأجدادهم الذين أعطوا تلك الأحزاب زهرة شبابهم ولباب أعمارهم ولكنها لم تبادلهم ذات الوفاء إلا بالنكران والجحود، والمستقبل اليوم لحزب يستجيب لطموحاتهم في الإنعتاق والتحرر وتأسيس أحزاب متنافسة فكرياً وبرامجياً ونحسبها مهمة البقاء لضمان نضج التداول السلمي للسلطة فهو السبيل إلى وطن معافى واستقرار سياسي مستدام ولعل الجانب المهم هنا أن التداول السلمي للسطة يغلق الباب أمام المعارضة الخارجية والتي تعتبر أشد فتكا بالوطن من أي عوامل أخرى.

ومشكلة الأحزاب السياسية السودانية أنها لا تفرق بين معارضة الوطن ومعارضة الحكومة و هذا يفتح الباب لتجنيد العملاء لصالح القوى الأجنبية فمن خلال الشواهد التاريخية التي أشرنا إليها وإلى يوم الناس هذا والذي نشاهد فيه العديد من النشطاء السياسيين يخاطبون البرلمانات الأوروبية لتأليبها ضد بلادهم، فالحصار الاقتصادي الذي ضرب على البلاد طوال سنوات الإنقاذ كان سببه الأساسي الناشطون السياسيون الذين يقدمون المعلومات المضللة لحكومات الدول الكبرى فتفرض العقوبات التي يتضرر منها كل الشعب السوداني وليس الحكومات، ولأضرب لكم مثلاً أنني كنت ذات مرة أود المشاركة في مؤتمر في دولة أوروبية فتفاجأت أنني كمواطن سوداني محظور عليَّ التعاملات البنكية الخارجية فلجأت إلى تحويل هذا المبلغ عبر تطبيق ويسترن يونيون وهذا نفسه وجدت أن في كل السودان لديه فرع واحد في مول عفراء، ذهبت إلى ذلك الفرع وسجلت في قائمة طويلة وأتيت صباح اليوم التالي فقالوا إننا لا نحول مبالغ إلى مؤسسات بل لأفراد فقط فاستعنت بصديق في تلك الدولة لدفع رسوم الاشتراك من حسابه هناك، وذات الشيء تكرر معي حين سفري لدولة أجنبية أخرى، فتخيل كيف يصبح الحصار خانقاً وإلى أي مدى ، والغريب أن أشخاصاً مثل عمر قمر الدين يتفاخرون بعد أن تولوا مواقع قيادية في الدولة بأنهم قد كانوا سبباً في ذلك الحصار ويأتي شخص مثل عبد الواحد نور ليقول إنهم قد عطلوا التنمية في دار فور حتى تسقط الإنقاذ، فإلى أي سقف يمكن أن يرتفع حاجب الدهشة هنا.

لقد ركزنا على الإصلاح السياسي والمؤسسي وحكم القانون لأنه يقود إلى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وغيره، وأختم هنا بإجابة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد للأستاذ عبد الملك النعيم حين أجرى معه حواراً تلفزيونياً فعندما سأله المحاور كيف نهضت ماليزيا على يديه فقال إنني لست عبقرياً ولكني أعمل ضمن فريق وأنهم قد ركزوا فقط على ثلاثة أشياء هي التعليم والبحث العلمي وحكم القانون، والثلاثة متعسرة جداً لدينا حالياً في السودان .. والله المستعان.

Exit mobile version