التغيير في قيادة الجيش… تجددُ الوجوه وثباتُ المعنى

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

ما أعلنته القيادة العامة للقوات المسلحة (الجيش) بالأمس عبر ناطقها الرسمي لم يكن أمرًا مفاجئًا؛ هو تعبير طبيعي عن حيوية مؤسسة تعرف متى تُغيّر وماذا تريد من التغيير. والمؤسسات المحترمة، وفي مقدمتها القوات المسلحة، لا تقف عند لحظة، ولا تُدار بروح الثبات الجامد، بل تخضع لسنن التغيير التي أودعها الله في الحياة؛ حيث لا دوام لحال، ولا بقاء لقيادة، وإنما تعاقبٌ يضمن الاستمرار، ويصون الفاعلية، ويُبقي المعنى حيًا في جسد الدولة.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة القرارات الأخيرة بإعادة تشكيل رئاسة هيئة الأركان بالقوات المسلحة السودانية بوصفها تعبيرًا عن حركة مؤسسة راسخة تُجدّد نفسها دون أن تفقد بوصلتها، ودون أن تنصرف عن معركتها.

فما جرى ليس حدثًا استثنائيًا، بل ممارسة أصيلة في مؤسسة عريقة كالقوات المسلحة، تقوم على مبدأ تداول القيادة، وتفعيل القوانين، واحترام التراتبية المهنية التي لا تحتمل الجمود. إنها دورة تنظيمية تُدار بعقل الدولة لا بعاطفة الأفراد؛ حيث تتقدم الكفاءة حين يحين أوانها، ويتنحى من أدُّوا دورهم في لحظة يقدّرها ميزان المؤسسة وتفرضها مقتضيات المرحلة.

ويمثل هذا التغيير، في جوهره، تجديدًا للدماء، وضخًا لأكسجين جديد في جسد القيادة، بما يعزز الاستمرارية ويمنح المؤسسة قدرة أعلى على التكيف مع متغيرات الواقع. فالقيادة، مهما بلغت خبرتها، تحتاج إلى تجدد يواكب تحولات الميدان، ويستجيب لمتطلبات الصراع، خاصة في ظل حرب لم تضع أوزارها بعد.

ويحمل توقيت هذه الخطوة دلالته؛ إذ يأتي في مرحلة يُقدّر فيها أن الأوضاع قد تجاوزت طور الصدمة الأولى وبدايات الارتباك، إلى مستوى أعلى من التنظيم والقدرة على الفعل، بما يتيح إعادة ترتيب القيادة وفق رؤية أكثر نضجًا واستقرارًا. فالقيادة العسكرية، بحكم طبيعتها، لا تُغيّر لمجرد التغيير، بل حين تتهيأ الظروف وتستدعي المرحلة ذلك.

وما حدث، في عمقه، يؤكد أن الجيش السوداني يظل مؤسسة منضبطة سلوكًا وأخلاقًا، لا تعرف احتكار المواقع ولا تؤمن بدوام السلطة؛ على النقيض من كثير من الكيانات المدنية والسياسية التي تُغلق أبواب التداول للمواقع القيادية، ولا تغادر مواقعها إلا قسرًا أو بفعل الموت وانقضاء الأجل. وهنا تتجلى مفارقة لافتة بين مؤسسة عسكرية تُمارس الانضباط المؤسسي، وفضاءات سياسية لا تزال تعاني من اختلال مفهوم التداول.

غير أن المقام، قبل كل شيء، مقام وفاء وتقدير للقادة الذين غادروا مواقعهم، وعلى رأسهم الفريق أول الركن محمد عثمان الحسين ورفاقه من أعضاء هيئة الأركان السابقين؛ أولئك الذين كتبوا، في ظروف بالغة القسوة، صفحات من الصبر والثبات والتضحية، تستوجب الاحترام وتفرض الإنصاف في الحكم عليهم. أما ما يُثار من تخوين أو تشكيك، فمكانه ساحات القانون لا منصات الظن والاتهام؛ إذ إن السكوت عن الاتهام دون بينة، أو إطلاقه دون مسؤولية، شراكة في الجرم لا تقل خطرًا عنه.

وفي المقابل، فإن الترحيب بالقيادة الجديدة، وعلى رأسها الفريق أول الركن ياسر عبدالرحمن العطا ورفاقه، يجب أن يكون مصحوبًا بالأمل والدعاء والنصح، لا بمجرد التلقي الصامت. فهؤلاء لم يبلغوا مواقعهم صدفة، بل بسيرٍ ومساراتٍ مهنية أوصلتهم إلى هذا المقام، ومسؤولية المرحلة تضع على عاتقهم عبئًا مضاعفًا في وقت لا يزال فيه العدو مترصدًا، والمعركة مفتوحة على احتمالاتها كافة.

إن المعركة لم تنتهِ بعد، وما أحوجنا إلى يقظة تُحكم الرؤى، وتُحسن التدبير، وترتقي بصنعة القتال إلى مستوى التحدي—جهدًا وجهادًا، إعدادًا وعملًا—حتى يتحقق النصر بإذن الله.

وفي هذا كله، تتجدد الثقة في القوات المسلحة وقيادتها، ويتجدد العهد بالوقوف معها وحولها، حتى تُكسر دوائر التآمر، ويُهزم العدو، وتُستعاد للدولة هيبتها، وللوطن عافيته. فالجيش الذي يُجدّد قيادته وهو في قلب المعركة، إنما يكتب بفعله—قبل قوله—أنه ماضٍ نحو النصر، لا نحو التراجع.

Exit mobile version