تعافي السودان من تعافي البحث العلمي … جامعة الجيل الخامس انموذجاً

د. سلوي حسن صديق

سانحة طيبة وفرصة عظيمة إبتدرتها وزارة التعليم العالي باستضافة مؤتمر ذي شأن لمساعدة السودان في إلتقاط أنفاسه واستعادة وضعه وضبط إيقاعه في مجال البحث العلمي بعد الحرب، وهو الذي ظل يبادر ويشارك ويمول لأنشطة إتحاد مجالس البحث العلمي العربية كما ذكر الأمين العام للإتحاد

البروفسور عبد المجيد بن عمارة، وهو يفتتح حضورياً أعمال المؤتمر بالخرطوم ، وهذا في حد ذاته حدث.

الفكرة حول المؤتمر هي إقرار تغيير أدوار الجامعات عالمياً لتصبح جامعات الجيل الخامس والإسم عنوان لواحدة من أوراق المؤتمر، وفكرتها أن التعليم التقليدي لم يعد ذا جدوي لأجيال اليوم بل لم يعد له مكان مع تغير أدوات البحث العلمي والإنتقال التلقائي من مرحلة التلقي إلي مرحلة المشاركة حيث أصبح الطالب شريكاً أساسياً في الأفكار وفي التنفيذ كذلك ، وهي نقلة طبيعية أملاها تطور تقنيات وصول المعلومة، فالطالب خلال هذا الوقت المزدحم بالمعلومات لا يحتاج للمعرفة المنقولة أو تلقي المعلومة وإنما يحتاح لتعلم الطرق الآمنة لتجريبها أو تذليل تنفيذها وتنزيلها عبر سياسات تناسبها ، وتسخير القوانين مع ضبط الجودة ، وكلها تحتاج للبيئة الآمنة ممثلة في الجامعات ، المالك الشرعي للبحث العلمي وحراسته بالأجلاء الذين تربوا في سوحها من العلماء والخبراء والنجباء.

ليس غريباً أن تكون الجامعة المضيفة هي جامعة أفريقيا العالمية، فالجامعة لها إرث كبير ومجد تليد في مثل هذه المؤتمرات وغيرها من الإجندات العربية والأفريقية والوطنية المفيدة ، وهي الحاضرة دوماً بأفكارها وربانها وطلابها لتمكن من الفعل وتقرب الصورة.

لولا الثورة المشؤومة التي إستهدفت أول ما استهدفت جامعة أفريقيا العالمية ومن بعدها الحرب اللعينة لأصبحت جامعة أفريقيا اليوم أم الجامعات العالمية، كيف لا وهي التي كانت تحتضن في أروقتها طلاباً يمثلون سبعين دولة من مختلف بقاع الأرض ، وجودهم وتمثيل دولهم في صرح واحد نفسه جامعة.

إذكر في العام 2017م كان من المقرر إقامة مؤتمر عن محاربة الإرهاب كنشاط من أنشطة جامعة الدول العربية الراتبة ، اختير السودان ممثلا في وزارة الإعلام لتنفيذه .

إستشار السيد وكيل الوزارة حينها الأستاذ عبد الماجد هارون مدراء الهيئات وكان الإجماع علي إختيار جامعة أفريقيا العالمية لما تمثله من وسطية وتسامح.. إلتأم المؤتمر، ولدهشتنا جميعا فقد تلمس المؤتمرون بيئة علمية كاملة الدسم تنطلق أبحاثها ومعارفها لجميع منتسبيها من داخل قاعاتها ومن معاملها ومن مزارعها أو حيوانها أو استوديوهاتها ، كانت الدهشة تكسو وجوه الحضور وهم يتأملون هذا الصرح الذي يعطي في مواكبة غريبة بلا ضوضاء ولا من ولا أذى ، والغريب أن قدراته ومواكبته هي نفس مطلوبات جامعة المستقبل التي يجتمع القوم الآن لتأملها وتفحص أدواتها ، وهي ذات الجامعة التي طبقت الفكرة معرفة تمشي علي ساقين ، وقد عايشنا تجربة الإعلامي المتكامل أو المعد لسوق العمل يتخرج من كلية الإعلام بالجامعة.

الاغرب هو أن طلابها من الأجانب كانوا يعيشون وسط السودانيين بذات أريحية المجتمع ، يأتي رمضان والموائد تمتد على طول الشوارع لتطعم إطايب الطعام للوافدين وتجدهم في المواصلات العامة وفي وسط الأحياء ، لا جريمة ولا ضغينة ، تحصنهم معرفتهم وعلومهم الثرة وقدواتهم في التطبيق والحياة ، ثم يغادرون بذات الهدوء لتكتمل الصورة بعد الوصول لبلدانهم تواضعا وسماحة ومدحا ومواقعا يتسنمونها بالاستحقاق والأخلاق التي تعلموها وعاشوها في السودان.

نبارك لجامعة أفريقيا الريادة المستحقة وللتعليم العالي المؤتمر العلمي الأول الحضوري بعد الحرب وقد تنوعت أوراقه ما ببن أدوار الذكاء الاصطناعي ورفع القدرات وجامعة المستقبل وغيرها، وهي موضوعات البحث العلمي التي يتبناها الجميع بحثا عن مخارج آمنة في ظل التحديات الماثلة والتي لا تنتظر .

إن كان ثمة توصية هي أن ينفتح الإتحاد والجامعات السودانية على تجارب جامعات دول عربية قطعت أشواطاً بعيدة في مضمار البحث العلمي مثل الجزائر ، وكذلك تجارب دول أخرى استطاعت أن تحول مدارج البحث العلمي لحياة وواقع يعيشه الناس كما في جمهورية مصر وهو عين ما نحتاجه بعد الحرب والأمثلة تطول.

شكراً للدكتور محمد خليفة أستاذ الإعلام بجامعة أفريقيا الذي منحني جزئياُ الحضور الإسفيري للمؤتمر وفي إنتظار المزيد فالسودان تبنيه أفكار وسواعد أبنائه.

Exit mobile version