رأي

ترمب وفخ ثيوسيديدس! (2/2)

فيما أرى
عادل الباز
1
لم تكن مجرد رحلة دبلوماسية اعتيادية تلك التي قادها الرئيس دونالد ترمب وفريقه نحو العاصمة الصينية بكين؛ بل كانت أشبه بعملية استخباراتية معقدة. في هذا الزمان لم تعد لغة الصواريخ هي الوحيدة السائدة، بل حلّت محلها حرب باردة رقمية، فتحول الهاتف المحمول من أداة تواصل إلى أداة في ميزان الردع الدولي، وبات الخوف من شريحة إلكترونية متناهية الصغر يضاهي الرعب من الرؤوس النووية، واضعاً العالم امام مايمكن تسميته ب “فخ ثيوسيديدس الرقمى.
2
قبل أن تتحرك الطائرة الرئاسية الأميركية نحو بكين، لم يكن المشهد داخل الوفد الأميركي يشبه وفدًا يستعد لزيارة دبلوماسية عادية، بل فريقًا يدخل إلى “منطقة اختراق معادية”.في واشنطن، وقبل الإقلاع بساعات، صدرت التعليمات الأمنية الصارمة.لا هواتف شخصية.لا أجهزة إلكترونية معتادة.لا استخدام للبريد الإلكتروني التقليدي.ولا اصطحاب لأي معدات رقمية غير معتمدة أمنيًا.جرى تسليم أعضاء الوفد هواتف مؤقتة بدائية تعرف بـBurner Phones، لا تحتوي على أي بيانات شخصية أو تطبيقات أو سجلات اتصال.
كما استُبدلت الحواسيب المحمولة بأجهزة “نظيفة” جرى إعدادها خصيصًا للرحلة، بينما حمل بعض المسؤولين حقائب Faraday المصممة لعزل الإشارات الإلكترونية ومنع عمليات الاختراق أو التتبع.حتى الصحفيون المرافقون للرئيس خضعوا للإجراءات نفسها؛ إيميلات مؤقتة، أجهزة اتصال محدودة، وتحذيرات مشددة من استخدام أي شبكة إنترنت أو منافذ شحن داخل الصين.كان واضحًا منذ البداية أن واشنطن لا تتعامل مع الصين كدولة مضيفة فقط، بل كبيئة مراقبة رقمية شاملة.
2
وعندما وصل ترمب إلى بكين بدا كل شيء على السطح طبيعيًا.
السجاد الأحمر، الموسيقى العسكرية، الابتسامات البروتوكولية، والاستقبال الحافل من الرئيس الصينيشى بنيغ .لكن خلف تلك الصورة الهادئة كانت تدور حرب باردة رقمية كاملة.الوفد الأميركي تحرك داخل الصين بعقلية أمنية مغلقة.
أجهزة الاتصال الحكومية كانت تعمل عبر أنظمة معزولة، وغرف الاتصالات الآمنة المتنقلة رافقت بعض الاجتماعات الحساسة، بينما جرى تقليل الاعتماد على أي وسيلة اتصال محلية إلى الحد الأدنى.حتى شحن الهواتف أصبح قضية أمن قومي.صدرت تعليمات واضحة بعدم استخدام أي وصلة USB أو شاحن محلي، خوفًا مما يعرف بعمليات “Juice Jacking”، حيث يمكن تحويل منفذ الشحن نفسه إلى أداة لاختراق الأجهزة وسحب البيانات.
3
وفي أثناء الزيارة ظهر حجم التوتر الحقيقي بين الطرفين.فعندما زار ترمب وشي “معبد السماء” في بكين، منعت السلطات الصينية أحد عناصر الخدمة السرية الأميركية من الدخول لأنه كان يحمل سلاحًا وفق البروتوكول الأميركي المعتاد.كانت لحظة صغيرة لكنها كشفت أن انعدام الثقة لم يعد سياسيًا فقط، بل أمنيًا واستخباراتيًا بالكامل.الأميركيون كانوا مقتنعين بأن الصين قادرة على مراقبة كل شيء:الهاتف،الكاميرا،الشبكات،التطبيقات،
وحتى الهدايا التذكارية.وفي المقابل، كانت بكين ترى في الإجراءات الأميركية نوعًا من الهوس الأمني والاتهام الضمني للصين بأنها “دولة تجسس شاملة”.
4
لكن المشهد الأكثر دلالة جاء في نهاية الزيارة كان قبل دقائق من صعود الوفد الأميركي إلى Air Force One لمغادرة بكين، وُضعت حاوية قمامة قرب سلم الطائرة.ثم بدأت عملية غير مألوفة.الهدايا الصينية، الشارات الرسمية، بطاقات الاعتماد، الدبابيس، وبعض المواد التي استخدمها الوفد خلال الزيارة، جرى التخلص منها بالكامل.كل شيء تقريبًا أُلقي في الحاوية.
ثم جاءت العبارة التي اختصرت المشهد كله:“لا يُسمح بأي شيء من الصين على متن الطائرة.”حتى الهواتف المؤقتة التي استُخدمت أثناء الرحلة لم يكن مسموحًا بإعادتها إلى الولايات المتحدة، لأن مجرد دخولها إلى البيئة الرقمية الصينية جعلها “ملوثة استخباراتيًا” وفق العقيدة الأمنية الأميركية.وهكذا غادر الوفد الأميركي بكين كما لو أنه يخرج من منطقة حرب إلكترونية لا من قمة سياسية بين دولتين عظميين.
5
ما جرى في زيارة ترمب إلى الصين يكشف أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة من الصراع الدولي.في الحرب الباردة القديمة كان الخوف من الصواريخ النووية.أما اليوم فقد أصبح الخوف من:الشريحة الإلكترونية،وشبكات الاتصالات،والذكاء الاصطناعي،والبيانات،والهاتف المحمول.لقد تحول الصراع الأميركي–الصيني من منافسة تجارية وعسكرية إلى صراع على السيطرة على التكنولوجيا نفسها.ولهذا لم تعد زيارة رئيس أميركي إلى بكين تحتاج فقط إلى بروتوكول دبلوماسي، بل إلى عقلية حرب استخباراتية سيبرانية كاملة.فالولايات المتحدة تعلم أن الصين تراقبها والصين تعلم أن الولايات المتحدة تعلم.وهنا يبدأ ما يمكن تسميته:“فخ ثيوسيديدس الرقمي”.فالعالم لم يعد يعيش فقط سباق النفوذ بين قوتين عظميين، بل يعيش سباقًا على من يسيطر على العقل الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى