رأي

ترمب وفخ ثيوسيديدس.(1)

فيما أرى

عادل الباز

1

تابعتُ باهتمام خلال اليومين الماضيين زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين، وما ترتب عليها من نتائج، لأن الزيارة تأتي في لحظة بالغة الحساسية في تاريخ النظام الدولي. لحظة يبلغ فيها الصراع بين القوى العظمى منحنيات خطرة، ويتغير فيها العالم بصورة جذرية تبعاً لتحولات موازين القوة الدولية، وصعود قوى جديدة تتقدم بثبات نحو مركز النظام العالمي، بينما تشهد منطقتنا حرباً ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي.

وقد برزت التناقضات في هذه الزيارة بصورة لافتة، فكل طرف كان يتحدث بلغة لا يفهمها الآخر سياسياً؛ فلكل أجندته التي يرغب في الحديث عنها وإسماع الآخر صورته، دون أن يهتم بصدى ذلك الصوت أو مردوده. وسنرى ذلك في أجندة الطرفين والنتائج التي نتجت عن الزيارة، كما سنرى الجو الأمني الذي أحاط بها من خلال التقرير الأمني السري الذي كشفته «الواشنطن بوست» بالأمس.

2

حين كانت طائرة الرئيس ترمب تهبط في مطار بكين، وفي جوفها ثمانون من رجال الأعمال من الصف الأول الباحثين عن صفقات التجارة والمعادن النادرة، كان الرئيس الصيني شي جين بينغ غارقاً في كتب التاريخ يبحث عن فكرة مركزية لخطابه صباح اليوم التالي أمام الوفد الأمريكي. لم يكن الرئيس شي مهتماً بالصفقات أو إمداد أمريكا بفول الصويا والمعادن، ولا بصفقة بوينغ، إنما كان مهتماً بشيء واحد أسماه «الاستقرار الاستراتيجي البنّاء».

ولأجل ذلك، استدعى التاريخ الصيني القديم قائلاً: على الولايات المتحدة والصين أن تحذرا من «فخ ثيوسيديدس» في علاقاتهما الحالية. أما فكرة «الفخ» التى أشار إليه شي، فتقول الويكبيديا انها منسوبة إلى ثيوسيديدس، القائد الأثيني القديم (431 ق.م – 404 ق.م)، الذي يُعد كتابه عن الحرب البيلوبونيسية واحداً من أوائل الأعمال المكتوبة في التاريخ العسكري. وفي هذا العمل، رأى ثيوسيديدس أن الحرب بين أثينا وأسبرطة كانت مدفوعة بالخطر الذي مثلته قوة صاعدة (أثينا تمثلها الان الصين) على قوة مهيمنة قائمة (أسبرطة تمثلها الان امريكا). وقد كتب: «إن صعود أثينا أخاف أسبرطة ودفعها إلى الحرب».

هكذا، وعلى خلفية فكرة “الفخ” وضع الرئيس شي قضية تايوان كأولوية في محادثاته مع ترمب قائلاً: «يجب على الولايات المتحدة التعامل مع قضية تايوان بأقصى درجات الحذر». وأوضح شي أن محاولة ترمب لإعادة التقارب مع الصين قد تنهار منذ بدايتها إذا تدخلت واشنطن في مساعي بكين طويلة الأمد للسيطرة على الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

3

لم تكن زيارة ترمب إلى بكين مجرد زيارة بروتوكولية، ولا حتى جولة تفاوض اقتصادي، بل كانت في جوهرها محاولة لإدارة أخطر تناقض استراتيجي يواجه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة: كيف تمنع صعود الصين دون الذهاب إلى مواجهة شاملة معها؟

وصل ترمب إلى بكين وهو يحمل ثلاثة ملفات رئيسية:

أولها: الملف الاقتصادي والتجاري، خاصة بعد أن تحولت الحرب الجمركية بين البلدين إلى حرب على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والمعادن النادرة. فالصين لم تعد مجرد «مصنع العالم»، بل أصبحت تسيطر على مفاصل حساسة في الصناعات المتقدمة، خاصة المعادن النادرة التي تدخل في صناعة الرقائق الإلكترونية والطائرات المقاتلة والسيارات الكهربائية والصواريخ الذكية.

ثانيها: الملف الأمني والعسكري، في ظل تصاعد التوتر حول تايوان، واتساع النفوذ الصيني في بحر الصين الجنوبي، وتزايد القلق الأمريكي من التحول العسكري السريع داخل الجيش الصيني.

أما الملف الثالث، فهو ملف الشرق الأوسط والحرب مع إيران، إذ تدرك واشنطن أن بكين أصبحت لاعباً مؤثراً في معادلات الطاقة والممرات البحرية، وأن أي تصعيد كبير في المنطقة سيمنح الصين فرصة استراتيجية لإضعاف النفوذ الأمريكي واستنزافه.

ماذا حققت الزيارة؟

عملياً، لم يحصل ترمب على اختراقات كبرى. فالصين لم تقدم تنازلات حقيقية في ملف المعادن النادرة، ولم تتراجع عن القيود التي فرضتها على تصدير بعض العناصر الاستراتيجية. كما لم يحصل على تفاهم واضح بشأن تايوان أو التوسع العسكري الصيني، بل اكتفى بالقول إنه «سينظر» في موضوع صفقة السلاح التي ستُسلَّم لتايوان. أظهرت الزيارة أن بكين أيضاً لا تريد الانزلاق إلى مواجهة مباشرة الآن.

4

على الرغم من أن أمريكا لم تحصد أي نتائج إيجابية كبيرة، فإن العالم دخل فعلياً مرحلة «الحرب الباردة التكنولوجية»، حيث لم تعد المعركة على الأرض فقط، بل على الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والمعادن النادرة، وسلاسل التوريد، والهيمنة على الاقتصاد الرقمي العالمي. وهو ما سيُمكّن الصين من الصعود باستمرار في مضمار التنافس الدولي مع القوة الأولى في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى