تحقيق أممي جديد يضع شبكات السلاح والمقاتلين الأجانب في قلب حرب السودان

جنيف – خلص تقرير صادر امس عن البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى وجود أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن شبكة عابرة للحدود الوطنية، تضم أفراداً وكيانات مرتبطة بالإمارات العربية المتحدة، أسهمت في تزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والإمدادات اللوجستية والتدريب والأفراد الأجانب، بما في ذلك متعاقدون عسكريون كولومبيون، خلال النزاع المستمر الذي يشهد انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وجاءت هذه الاستنتاجات في تقرير البعثة المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان في دورته الثالثة والستين (7 أيلول/سبتمبر – 9 تشرين الأول/أكتوبر 2026)، والذي يركز على دور الدعم الخارجي في تغذية النزاع، ولا سيما من خلال الطائرات المسيرة والمقاتلين الأجانب. وأشار التقرير إلى أن هذا الدعم عزز قدرات قوات الدعم السريع على مواصلة عملياتها في دارفور وكردفان، بما في ذلك الهجمات التي وثقتها البعثة سابقاً في الفاشر، حيث سجلت مؤشرات على سلوك يحمل طابع الإبادة الجماعية.
ووفقاً للأدلة التي جمعتها البعثة، بما في ذلك إفادات شهود ذوي معرفة مباشرة وصور أقمار صناعية ولقطات موثقة، شملت الشبكة مسارات جوية وبرية وبحرية تربط مواقع في الإمارات بتشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند في الصومال. ونُقلت عبر هذه الطرق أسلحة ومعدات تتسق مع عتاد سبق تصديره إلى الإمارات، من بينها مدافع هاوتزر من طراز نورينكو AH-4 عيار 155 ملم، وأنظمة دفاع جوي من طراز FK-2000، وطائرات مسيرة من طراز CH-95/FH-95، ورادارات، ومركبات مدرعة، وذخائر، وإمدادات طبية. واستُخدمت مطارات مثل نيالا كنقاط دخول رئيسية، حيث أُفرغت صناديق أسلحة وذخائر ووزعت على معسكرات قوات الدعم السريع.
وبرز دور المتعاقدين الكولومبيين كعنصر محوري. وقدرت البعثة عددهم بما يقارب ألفي فرد، جُندوا ونُشروا اعتباراً من آب/أغسطس 2024 على الأقل. وحددت كيانات مسجلة في كولومبيا والإمارات مرتبطة بهذه العملية. وأفادت بأن العقيد ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا، مؤسس أحد الكيانات الرئيسية والمقيم في أبوظبي، وزوجته كلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو، التي نسقت التجنيد في كولومبيا، خضعا لعقوبات من لجنة الجزاءات التابعة لمجلس الأمن في 28 نيسان/أبريل 2026 بسبب دورهما في تجنيد ونشر عسكريين كولومبيين سابقين في السودان. ووصف شهود أن بعض المتعاقدين تلقوا تدريباً في منشأة ذات طابع عسكري في غياثي بالإمارات على تشغيل الطائرات المسيرة وأنظمة النيران غير المباشرة والدفاع الجوي، قبل نشرهم في نيالا والفاشر، حيث شغلوا منصات الطائرات المسيرة والمدفعية خلال الهجمات.
وأكدت البعثة أن هذا الدعم غذى عمليات عسكرية ارتكبت خلالها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ودعت الدول إلى إنفاذ حظر توريد الأسلحة المفروض على دارفور بموجب قراري مجلس الأمن 1556 (2004) و1591 (2005)، ووقف أي نقل للأسلحة أو الطائرات المسيرة أو المكونات أو المساعدة العسكرية حيثما وجد خطر كبير باستخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة، مطالبة مجلس الأمن بتوسيع الحظر ليشمل السودان بأكمله.
من جانبها، رفضت الإمارات العربية المتحدة، في ردود خطية وشفوية قدمتها إلى البعثة في شباط/فبراير وحزيران/يونيو 2026، أي ادعاءات بتقديم دعم عسكري أو لوجستي أو مالي أو سياسي لقوات الدعم السريع. وأكدت التزامها بالحياد طوال النزاع، وعدم توريد أسلحة أو ذخائر، وعدم تجنيد أو تمويل أو تيسير نشر مقاتلين أجانب. ووصفت الادعاءات بأنها غير موثقة وتندرج ضمن حملة إعلامية مضللة، مشيرة إلى أن تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان لعام 2025 لم يثبت توريدها أسلحة للقوات. وأبرزت أطرها التنظيمية الصارمة المتعلقة بنقل الأسلحة وشركات الأمن الخاصة ومكافحة غسل الأموال، فضلاً عن تشريعات تجرم الجرائم الدولية حتى خارج إقليمها في ظروف معينة. وذكرت أنها باشرت في نيسان/أبريل 2026 إجراءات قضائية بشأن ادعاءات نقل عتاد عسكري مرتبط بالنزاع، لكنها تتعلق بدعم مزعوم للقوات المسلحة السودانية وليس لقوات الدعم السريع.
وأحاطت البعثة علماً بهذه الإفادات والمساعدات الإنسانية التي قدمتها الإمارات، لكنها خلصت استناداً إلى مجمل الأدلة إلى أن أفراداً وكيانات يعملون انطلاقاً من الإمارات أو مسجلين فيها أو مرتبطين بها أدوا دوراً مهماً في شبكات التجنيد والتمويل والنقل والنشر والدعم العسكري. وأوصت بأن تحقق الإمارات في الادعاءات المتعلقة بالشركات والوسطاء والأفراد المحددين، وتتخذ إجراءات إنفاذ فعالة حسب الاقتضاء، معتبرة أن استمرار مثل هذه الأنشطة يستوجب تدابير إضافية وأكثر صرامة لمنع أي إسهام متوقع في الانتهاكات والجرائم الدولية في السودان.
ويأتي التقرير في سياق تدهور الحماية للمدنيين، حيث وثقت البعثة مقتل أكثر من ألف مدني في ضربات طائرات مسيرة بين كانون الثاني/يناير وأيار/مايو 2026 وحدها، مع هجمات طالت مستشفيات ومدارس وأسواق ومواقع نزوح. وتؤكد البعثة أن الدعم الخارجي يطيل أمد النزاع ويفاقم المعاناة، داعية إلى مساءلة كاملة على امتداد سلسلة المسؤولية، بما في ذلك من يمولون أو يمدون بالإمدادات أو ييسرون ارتكاب الجرائم.

Exit mobile version