إثيوبيا والنيل الأزرق: هل تتحول الجبهة السودانية إلى حرب حدود إقليمية؟

أخطر تطور جغرافي في الحرب السودانية خلال الأسابيع الأخيرة ليس في دارفور، بل في النيل الأزرق.

سبب ذلك بسيط: الحرب هناك تقع مباشرة بجوار إثيوبيا وجنوب السودان، بينما تتركز الاتهامات السودانية الجديدة على استخدام أراضٍ إثيوبية في التدريب والإمداد وعمليات الطائرات المسيّرة.

أمس رفع معتمد الكرمك مستوى الاتهامات وقال إن الدعم السريع يدير أربعة معسكرات داخل إثيوبيا لتدريب مقاتلين ومرتزقة وتشغيل أنشطة مرتبطة بالمسيّرات. وفي اليوم نفسه وصل البرهان إلى الدمازين لتفقد الجبهة. (Sudan Tribune)

لا توجد حتى الآن أدلة علنية مستقلة تسمح بتأكيد كل ما قاله المسؤول السوداني. وهذه نقطة أساسية.

لكن الاتهام لا يظهر من فراغ.

تحليل Critical Threats المنشور أمس أشار إلى زيادة حادة في الرحلات المرتبطة بالإمارات إلى إثيوبيا، وإلى نشاط في قاعدة بمنطقة أصوصا وثقته مصادر مفتوحة وصور أقمار صناعية، فضلاً عن تقارير Yale Humanitarian Research Lab السابقة بشأن حشد عسكري ولوجستي في المنطقة. (Critical Threats)

الجغرافيا تفسر حساسية الأمر.

الكرمك وقيسان تقعان على حافة بني شنقول–قمز الإثيوبية. وأي قوة تستطيع العمل بحرية على الجانب الإثيوبي تحصل على عمق خلفي لا تستطيع القوات السودانية مهاجمته بسهولة دون المخاطرة بتحويل الحرب إلى مواجهة بين دولتين.

وهذا هو الفارق بين استخدام منطقة حدودية سودانية وبين استخدام أراضي دولة ذات سيادة.

إذا اعتبر الجيش أن مسيّرة تنطلق من إثيوبيا لضرب الدمازين أو الخرطوم، فسيتولد ضغط عسكري وسياسي للرد على نقطة الإطلاق وليس فقط اعتراض الطائرة داخل السودان.

وهنا تصبح المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد الدفاع عن النفس وسيادة الدول، جزءاً من الحسابات العسكرية.

لكن إثيوبيا ليست خصماً سهلاً يمكن فتح جبهة معه دون تكلفة.

فهي صاحبة أكبر ثقل سكاني وعسكري تقريباً في القرن الأفريقي، ولها علاقات اقتصادية وسياسية عميقة مع السودان، إضافة إلى ملفات حساسة أصلاً: الفشقة، سد النهضة، الحدود، التجارة واللاجئون.

ولهذا ظهرت داخل السلطة السودانية في الأشهر الماضية، بحسب تقارير إقليمية، أصوات تحاول إبقاء قنوات التواصل مفتوحة رغم الاتهامات.

المفارقة التاريخية لافتة أيضاً.

في 1997 كانت الكرمك وقيسان محور عمليات عسكرية للحركة الشعبية والمعارضة السودانية بدعم إقليمي، وكانت إثيوبيا واحدة من الدول الرئيسية التي وفرت أرضاً ودعماً للمعارضة ضد حكومة الخرطوم آنذاك.

وبعد ثلاثة عقود تقريباً تعود المنطقة نفسها إلى صدارة الصراع.

لكن الطرفين تغيرا، والتكنولوجيا تغيرت جذرياً. في 1997 كانت الجغرافيا تحتاج إلى آلاف الجنود. في 2026 يمكن لمنصة مسيّرات واحدة أن تجعل قاعدة على بعد مئات الكيلومترات مؤثرة في الحرب.

المسار الأخطر: إذا تأكد إطلاق عمليات هجومية من الأراضي الإثيوبية واستمر، فقد ينتقل السؤال من «هل تدعم إثيوبيا الدعم السريع؟» إلى «هل سيضرب السودان أهدافاً داخل إثيوبيا؟».

عند تلك النقطة تكون الحرب السودانية قد عبرت عتبة جديدة

Exit mobile version