

فيما ارى
عادل الباز
1
هناك قصص ومواضيع تستحق أن تُروى، ولا تصلح للكتابة السياسية التحليلية التي اعتدتُ عليها في هذه الزاوية (فيما أرى). ولذا أحاول أسبوعيًا، كل سبت، أن أروي قصصًا وأعلق عليها، تكون قريبة من السياسة أو الأدب بطريقة مختلفة. فإلى أولى الحكايات.
ضجت الأسافير الأسبوع الماضي بثلاث قصص؛ الأولى عن شميم لافي، والثانية عن القوني، والثالثة عن قوش ومجموعته، والربط بينها أنها كلها تتعلق بالسلاح.
ولنبدأ بقصة شميم لافي.
2
الفاتنة شميم، في القصة التي روتها مجلة «أفق» الغرّاء التي يرأس تحريرها صديقي الأستاذ عثمان فضل الله، إيرانية تبلغ من العمر 44 عامًا، تدير واحدة من أخطر شبكات تهريب الأسلحة العالمية، وسقطت أخيرًا في قبضة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في مطار لوس أنجلوس الدولي أثناء محاولتها الفرار إلى تركيا، لتنكشف تفاصيل حياة باذخة ومغامرات تجسس عابرة للقارات. والسبب بحسب الرواية يتعلق بدورها المباشر في تغذية الحرب الأهلية الدموية في السودان؛ إذ كشف المدعون الفيدراليون في أمريكا عن عقد ضخم بقيمة 70.5 مليون دولار (نحو 60 مليون يورو) توسطت فيه «مافي» لتزويد الجيش السوداني بطائرات مسيّرة مسلحة من طراز «مهاجر-6» الإيرانية الصنع، بالإضافة إلى قنابل موجهة، وأنظمة تحكم، وتدريب تقني.
بحسب «أفق» لم يتوقف الأمر عند المسيّرات؛ حيث تزعم وثائق المحكمة أن شبكتها نقلت 55 ألف صاعق تفجير إلى وزارة الدفاع السودانية، وعشرات الآلاف من صمامات القنابل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. وللتملص من الرقابة المالية، استخدمت «مافي» شركة واجهة في سلطنة عمان تُدعى «أطلس إنترناشونال بيزنس»، حيث كانت المدفوعات تتم عبر قنوات صرف غير رسمية في تركيا والإمارات وصناديق نقدية مليئة بـ«الدولارات الطازجة»، كما ظهر في مقطع فيديو أرسلته عبر واتساب يحتوي على رزم من فئة الـ100 دولار. انتهت القصة.
الغريب أن السودان أصلًا لا يحتاج إلى تهريب سلاح، فالدولة معترف بها ومن حقها استيراد السلاح، وقرار حظر السلاح الأممي كان أصلًا يتعلق بالحرب في دارفور وليس بحرب آل دقلو التي أشعلوها في كل السودان.
عالم الأسلحة وتهريبها دائمًا عالم يلفه الغموض وتشتغل عليه شبكات مجهولة لا تُعرف لها هوية أو مصادر، ولا تخضع لقانون في غالبها. تقريبًا نصف أفريقيا تحرم عليها الدول العظمى استيراد الأسلحة وخاصة أمريكا، ورغم ذلك فإن أفريقيا وفق بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI) استوردت سلاحًا بـ3.1 مليار دولار (وفق مؤشر SIPRI للحجم يمثل ذلك انخفاضًا بنحو 40% مقارنة بالفترة السابقة). الحروب في أفريقيا تُخاض بسلاح لا يخضع أبدًا للرقابة. هناك الآن عشر دول أفريقية عليها عقوبات تحظر بيع السلاح لها، ولكنها الآن أكثر الدول استيرادًا للسلاح. والغريب أن السلاح غالبًا ما يُستورد من مخازن شركات ذات الدول التي تحرّمه وتعاقب المتعاملين فيه؛ مما يدل على أن العملية كلها «استهبال في استهبال»، وإلا كان يمكن ببساطة منع تدفق السلاح من المصدر وليس بيعه لوكلاء يغذون به الدول التي تشتعل فيها الحروب ليفرضوا عليها عقوبات من بعد.
2
القصة الثانية: القوني
جاء في الأنباء: (أعلنت لجنة الجزاءات التابعة لمجلس الأمن الدولي (اللجنة 1591)، عن إدراج أربعة أفراد جدد في قائمة العقوبات الأممية. جاء هذا القرار بناءً على مقترح رسمي تقدمت به الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، مستهدفًا العقول المدبرة لعمليات التسليح وتجنيد المرتزقة الأجانب لصالح ميليشيا الدعم السريع. وشملت العقوبات تجميد الأصول وحظر السفر لأسماء لعبت أدوارًا محورية في استمرار الحرب وتغذية الفظائع، وهم: القوني حمدان دقلو، شقيق قائد قوات الدعم السريع ومسؤول المشتريات، ويُتهم بقيادة عمليات تسليح الميليشيا وتوفير الغطاء المالي واللوجستي لاستمرار العمليات العسكرية). انتهى الخبر.
تصوروا ذات القوني الذي فُرضت عليه عقوبات أمريكية أممية من قبل يتجول في أمريكا وأوروبا بلا أدنى وجل، بل ويخاطب المنظمات والبرلمانات ويحضر المؤتمرات. إلا أن القضية يقول الأستاذ عشاري كلها احتيال، وهذا الإعلان نفسه يحاول أن يغطي على دور الإمارات في توريد وتجنيد المرتزقة وترحيلهم، ونسب تلك التهمة لأفراد وشركات مرتزقة كولومبية.. «على مين؟».
3
صلاح قوش.. وما أدراكم ما قوش!!
في أنباء أمس الخميس تقرأ الخبر الآتي: (أحال النائب العام الإماراتي المستشار الدكتور حمد سيف الشامسي، 19 متهمًا بينهم ست شركات مسجلة في الإمارات إلى محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية «دائرة أمن الدولة»، وذلك على خلفية ارتكاب جرائم الاتجار غير المشروع في العتاد العسكري والتزوير وغسل الأموال).
وأضاف الخبر (جاء قرار الإحالة عقب تحقيقات موسعة أجرتها النيابة العامة، حيث كشفت الوقائع بحسب وكالة الأنباء الإماراتية «وام» عن محاولة المتهمين تمرير شحنة من الذخائر إلى سلطة بورتسودان عبر أراضي الإمارات العربية المتحدة، في مخالفة صريحة للقوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة. وأظهرت التحقيقات أن الوقائع محل الدعوى ارتبطت بصفقات تمت بطلب من لجنة التسليح في حكومة بورتسودان برئاسة عبد الفتاح البرهان ونائبه ياسر العطا، وبتنسيق من عثمان محمد الزبير محمد، كما شمل نطاق الاتهام شخصيات نُسبت إليها أدوار في التوجيه والتنسيق، من بينهم صلاح عبد الله محمد صالح (الملقب بصلاح قوش). انتهى الخبر.
لاحظوا أن الخبر صدر بعد يومين فقط من اتهام القوني بالاتجار بالسلاح؛ وهي محاولة عاجلة لتغطية خبر القوني والميليشيا ومرتزقتها بخبر يأخذ مجرى الأخبار والترندات إلى مجال آخر لصرف النظر عن إجرام القوني والإمارات ودورهما في توريد السلاح للميليشيا، علماً بأن الخبر الخاص بقوش ومجموعته المتهمين قد حدث منذ عامين!!.
ما يشكك في جوهر هذا الخبر هو الربط بين صلاح قوش والرئيس البرهان والفريق ياسر العطا ووضعهما في لجنة تسليح حكومية؛ وهو أمر مضحك لكل من يعرف أولاً كيف يُستورد السلاح للسودان وما هي الجهة التي تستورده، ولمن يعرف أيضًا ألا علاقة أصلًا للرئيس البرهان بقوش منذ الطلاق البائن بعد التغيير الهمجي الذي جرى في 2019، ثم إن الفريق ياسر العطا بعيد كل البعد عن بيع وشراء السلاح ولا يعرف شيئًا عن هذه التجارة في حياته.
ثم إن الذي يعرف «صلاح قوش» يعرف تحولات علاقته بالإمارات التي انتقلت إلى العداء الكامل، ويستحيل أن يفكر في توريد سلاح يمر عبر الإمارات وفي هذه الحرب التي تخوضها الإمارات ضد السودان. لقوش من الخبرات في توريد الأسلحة وتهريبها لمناطق عدة في العالم، من لبنان إلى فلسطين لحركات التمرد الأفريقية (اقرأ كتاب «أيام كارلوس في الخرطوم» لعادل الباز لتعرف قدر الخبرات التي توفرت لقوش في هذا المجال ومن أساطين تهريب السلاح في العالم)، وهذه الخبرات تمنعه أن يعمل بمثل هذه الطريقة الغبية التي يمكن أن تؤجر الطائرات وتشحنها بالأسلحة والذخائر ثم ترسلها لمطارات الإمارات لتمر إلى السودان!!.
أكثر ما أضحكني في الخبر الذي بثته وكالة «وام» الإماراتية فهو: (شددت النيابة العامة على أن دولة الإمارات لن تتهاون مع أي محاولة لاستغلال أراضيها أو مؤسساتها أو نظامها المالي في أنشطة غير مشروعة). والجميع يعلم أن الإمارات هي الموقع الذي تُغسل فيه أموال الذهب الملطخة بالدم (اقرأ تقرير «سنتري»)، وهي التي تمرر عبر بنوكها كل الصفقات المشبوهة لبيع وتجارة الأسلحة والمخدرات. وأن أنظمتها المالية تسمح لها بالتجارة مع روسيا والصين وإيران رغم العقوبات الدولية المفروضة على هذه الدول حتى قال عنها ترامب إنها تعمل كبنك لإيران!! فمن الأفضل للإمارات ألا تتهم الآخرين فهي بحر لغسيل الأموال ومهبط للمجرمين من كل جنس وصالة كارتيلات من البترول إلى المخدرات.
إن إعلان النيابة العامة الإماراتية عن محاربة الأنشطة غير المشروعة يأتي في مفارقة ساخرة. فالدور الذي تلعبه الإمارات، الموثق في تقارير (سنتري) ومنظمات مثل Global Witness، يجعل منها المتهم الأول في العالم للأنشطة غير المشروعة. فالمشكلة ليست في صفقات فردية، بل في البيئة المالية المثالية لتبييض هذه الأموال في تلك المراكز المالية ذاتها.