رأي

بين أنقاض الحرب وأمل النهوض: كيف يستعيد السودان عافيته الزراعية والصناعية؟

نعمان يوسف محمد

لم تكن الحرب التي إجتاحت السودان مجرد مواجهة عسكرية عابرة؛ بل تحولت إلى زلزال اقتصادي واجتماعي ضرب أعمدة الدولة الإنتاجية في الصميم. فقد تعرض القطاع الزراعي — بشقيه النباتي والحيواني — إلى خسائر جسيمة تمثلت في نهب مدخلات الإنتاج، وتدمير أنظمة الري، وتعطل سلاسل الإمداد، ونزوح المزارعين والرعاة، فيما تلقى القطاع الصناعي ضربة قاسية جراء تخريب المصانع، وانقطاع الكهرباء، وهجرة الكفاءات، وتآكل رأس المال الوطني.

ومع ذلك، فإن السودان — رغم الجراح — لا يزال يمتلك من المقومات ما يجعله قادراً على النهوض من جديد، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواقعية، وتم الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة التعافي.

الزراعة .. القطاع الذي لا يحتمل التأجيل
ظل القطاع الزراعي عبر تاريخ السودان العمود الفقري للاقتصاد الوطني، بما يمتلكه البلد من أراضي خصبة، وموارد مائية ضخمة، وتنوع مناخي نادر. لكن الحرب الأخيرة أعادت هذا القطاع سنوات طويلة إلى الوراء. ولم تتوقف آثار الحرب عند تعطل المواسم الزراعية فحسب، بل إمتدت إلى:
نهب الجرارات والحاصدات والآليات الزراعية.
فقدان البذور المحسنة والأسمدة والمبيدات.
إنهيار شبكات التمويل الزراعي.
تضرر مشاريع الري الكبرى.
إنعدام الأمن في مناطق الإنتاج.
نزوح العمالة الزراعية.
نفوق أعداد كبيرة من الثروة الحيوانية وتهريبها عبر الحدود.
وهذا يعني أن الأزمة لم تعد أزمة إنتاج فقط، بل أزمة أمن غذائي ووجود اقتصادي.

كيف يمكن إنقاذ القطاع الزراعي؟
– إعلان الزراعة قضية أمن قومي
لا يمكن التعامل مع الزراعة بوصفها قطاعاً اقتصادياً عادياً؛ فالدول الخارجة من الحروب تبدأ غالباً من الأرض.
ولذلك ينبغي أن تتصدر الزراعة أولويات الدولة عبر:
تخصيص موازنات إسعافية عاجلة.
إعفاء مدخلات الإنتاج من الرسوم والضرائب.
توجيه التمويل المصرفي نحو الإنتاج الحقيقي.
إنشاء صندوق قومي لإعادة تأهيل الزراعة.
– إعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية
النهوض الزراعي يبدأ بإعادة تشغيل أدوات الإنتاج الأساسية، عبر:
صيانة قنوات الري والطلمبات.
توفير الوقود للمزارعين بأسعار مدعومة.
إستيراد آليات زراعية بديلة بصورة عاجلة.
إعادة تأهيل المخازن والصوامع والطرق الزراعية.
كما ينبغي إعطاء الأولوية للمشاريع الكبرى مثل الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة، لما لها من أثر مباشر على الأمن الغذائي والتشغيل.
– دعم صغار المنتجين
أثبتت التجارب أن صغار المزارعين والرعاة هم الأكثر قدرة على إستعادة النشاط بسرعة بعد النزاعات، إذا توفر لهم الحد الأدنى من الدعم. ويشمل ذلك:
التمويل الأصغر والصغير الزراعيين.
توفير التقاوي والأدوية البيطرية.
إنشاء جمعيات تعاونية حقيقية.
دعم المرأة الريفية بإعتبارها أحد أعمدة الإنتاج.
– التحول من الزراعة التقليدية إلى الزراعة الذكية
الحرب قد تكون – رغم ما يبدو في ذلك من تناقض – فرصة لإعادة بناء القطاع على أسس أكثر كفاءة، عبر:
إدخال التقنيات الحديثة.
إستخدام الطاقة الشمسية في الري.
التوسع في التصنيع الزراعي.
إنشاء قواعد بيانات رقمية للإنتاج والتسويق.
الثروة الحيوانية .. المورد المهدر
يمتلك السودان واحداً من أكبر القطعان الحيوانية في إفريقيا، لكن هذا المورد ظل يدار بعقلية تقليدية. وقد كشفت الحرب هشاشة القطاع بسبب:
ضعف الخدمات البيطرية.
غياب الصناعات التحويلية.
إنتشار التهريب.
ضعف المسالخ الحديثة.
ومن ثم فإن النهوض الحقيقي يتطلب:
تحديث قطاع المراعي.
إنشاء مسالخ ومصانع ألبان ولحوم.
فتح أسواق تصديرية جديدة.
تطوير الصناعات الجلدية والدوائية المرتبطة بالثروة الحيوانية.

الصناعة .. من اقتصاد الإستيراد إلى اقتصاد الإنتاج
إذا كانت الزراعة توفر المواد الخام، فإن الصناعة هي التي تمنح الاقتصاد القيمة المضافة. لكن القطاع الصناعي السوداني تعرض خلال الحرب لإنهيار شبه كامل، خاصة في المدن الصناعية الكبرى. وبات يواجه تحديات كبرى، من أبرزها:
نهب خطوط الإنتاج.
إنقطاع الكهرباء والوقود.
إرتفاع تكلفة التشغيل.
هجرة العمالة الفنية.
تآكل رؤوس الأموال.
إضطراب النظام المصرفي.
كما أن كثيراً من المصانع الصغيرة والمتوسطة فقدت القدرة على العودة بسبب غياب التمويل والتأمين.

كيف يمكن إعادة بناء القطاع الصناعي؟
– البدء بالصناعات المرتبطة بالزراعة
من الخطأ محاولة بناء قطاع صناعي معزول عن الموارد المحلية. والأولوية ينبغي أن تكون للآتي:
مصانع الزيوت.
تعليب الخضر والفاكهة.
صناعة السكر.
الغزل والنسيج.
الصناعات الجلدية.
الأعلاف والألبان.
فهذه الصناعات أقل تكلفة، وأسرع أثراً، وأكثر قدرة على خلق الوظائف.
– توفير الطاقة والبنية التحتية.
لا صناعة بلا كهرباء مستقرة وطرق ونقل وإتصالات. ولذلك فإن أي خطة تعافي صناعي يجب أن تتضمن:
إعادة تأهيل الشبكة الكهربائية.
التوسع في الطاقة الشمسية.
إنشاء مناطق صناعية آمنة.
إصلاح الموانئ والسكك الحديدية.
– جذب رؤوس الأموال الوطنية والمغتربة

رأس المال السوداني لم يختفِ، لكنه فقد الثقة. ولإعادته يجب:
ضمان الإستقرار القانوني.
مكافحة الفساد والجبايات.
حماية المستثمرين.
تبسيط الإجراءات.
تقديم حوافز ضريبية وجمركية.
كما يمكن للمغتربين السودانيين لعب دور محوري إذا تم إنشاء أوعية إستثمارية شفافة ومضمونة.
– دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة
التجارب الدولية تؤكد أن التعافي بعد الحروب يبدأ غالباً من المشروعات الصغيرة، لأنها:
أسرع في العودة.
أقل تكلفة.
أكثر قدرة على التوظيف.
ولذلك ينبغي إنشاء برامج تمويل ميسرة، وحاضنات أعمال، ومراكز تدريب مهني لإعادة تأهيل الشباب.

التمويل .. الحلقة الأخطر
لن ينجح أي مشروع للنهوض الزراعي أو الصناعي دون نظام تمويلي فعال. لكن القطاع المصرفي السوداني نفسه تأثر بالحرب، مما يستدعي:
إعادة هيكلة البنوك المتعثرة.
توجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية.
تقليل التمويل الإستهلاكي.
إنشاء مؤسسات ضمان للمخاطر.
إستقطاب دعم إقليمي ودولي لإعادة الإعمار.
كما أن التمويل الإسلامي يمكن أن يلعب دوراً مهماً عبر صيغ المشاركة والسلم والإستصناع، خاصة في الزراعة والصناعة.

الدولة والقطاع الخاص .. شراكة لا غنى عنها
الدولة وحدها لن تستطيع إعادة بناء الاقتصاد، كما أن القطاع الخاص لا يستطيع العمل في بيئة مضطربة. ومن ثم فإن المرحلة القادمة تتطلب:
دولة تضع السياسات وتحمي الإستقرار.
وقطاعاً خاصاً يقود الإنتاج والإستثمار.
وشراكة حقيقية مع الجامعات ومراكز البحث العلمي.
فالاقتصاد الحديث لا يبنى بالقرارات الإدارية وحدها، بل بالمعرفة والتخطيط والإبتكار.

خاتمة: السودان لا تنقصه الموارد بل الإدارة
ربما تكون أكبر خسائر الحرب أنها عمقت الإحباط العام، لكن التاريخ يؤكد أن الدول لا تقاس بحجم الدمار الذي أصابها، بل بقدرتها على النهوض بعده. والسودان، رغم كل ما حدث، لا يزال يمتلك الأرض، المياه، الثروة الحيوانية، الموارد البشرية، الموقع الجغرافي والأسواق الإقليمية الواعدة.

غير أن تحويل هذه المقومات إلى نهضة حقيقية يتطلب الإنتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج، ومن الصراع على السلطة إلى التنافس في البناء والتنمية. فالطريق إلى إستعادة السودان لن يبدأ من السياسة وحدها، بل من الحقول والمصانع، حيث تصنع الأوطان القوية، وتستعاد كرامة الشعوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى