بنك السودان استعاد زمام المبادرة… ولكن هل البنوك جاهزة لمعركة بناء الاقتصاد؟
Mazin
مهند عوض محمود
خلال الفترة الماضية كتبنا كثيراً عن تحديات الاقتصاد السوداني، وعن ضرورة الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستيراد والاستهلاك إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج والصادرات والقيمة المضافة. وتحدثنا عن أثر الرسوم والجبايات على تنافسية المنتج السوداني، وعن أهمية إزالة التشوهات التي تحد من قدرة السودان على جلب النقد الأجنبي. لكن التطورات الأخيرة تفتح باباً آخر للنقاش، ربما يكون أقل تداولاً لكنه لا يقل أهمية: هل يمتلك السودان جهازاً مصرفياً قادراً على قيادة مرحلة التعافي؟
فالقرارات الأخيرة لبنك السودان المركزي تشير إلى تحول واضح في طريقة إدارة السياسة النقدية. لم يعد البنك يكتفي بمراقبة السوق من بعيد، بل بدأ يستخدم أدواته لاستعادة زمام المبادرة؛ من ضخ العملات الأجنبية عبر الجهاز المصرفي، إلى تنظيم سوق الذهب، ومراجعة منظومة الدفع الإلكتروني، وإعادة ترتيب حركة النقد داخل الاقتصاد. هذه الخطوات نجحت في تحقيق أثر مهم، وهو كسر موجة المضاربات وإعادة جزء من الثقة إلى الجهاز المصرفي، ولكن التجارب الاقتصادية تعلمنا أن نجاح البنك المركزي لا يقاس فقط بقدرته على التدخل وقت الأزمة، وإنما بقدرته على إعادة بناء نظام مصرفي قادر على العمل بعد انتهاء التدخل.
فالاقتصاد لا يمكن أن يدار إلى الأبد بقرارات البنك المركزي وحده. البنك المركزي يرسم السياسات ويضع الضوابط، لكن البنوك التجارية هي التي تحول هذه السياسات إلى نشاط اقتصادي حقيقي. وهنا يبدأ السؤال الأهم: أين تقف البنوك السودانية اليوم من هذه المرحلة؟
فالبنك التجاري في أي اقتصاد حديث ليس مجرد مبنى لحفظ الأموال، ولا نافذة لاستلام التحويلات، ولا جهة لبيع وشراء العملات، بل هو القلب الذي يضخ الدم في جسد الاقتصاد؛ يجمع المدخرات الصغيرة ويحولها إلى مشروعات كبيرة، ويدرس المخاطر ويمول القطاعات المنتجة، ويجعل المال ينتقل من الخزائن إلى المصانع، ومن الحسابات الجامدة إلى الحقول، ومن الأرقام في الدفاتر إلى فرص عمل ونمو حقيقي.
لكن خلال سنوات طويلة، وتحت ضغط التضخم وانخفاض قيمة العملة والحرب وعدم الاستقرار، تراجع الدور الطبيعي لكثير من البنوك. أصبحت إدارة السيولة اليومية أكثر حضوراً من تمويل التنمية، وأصبح تجنب المخاطر أحياناً أهم من صناعة الفرص. وقد يكون ذلك مفهوماً في ظروف استثنائية، لكنه لا يصلح لمرحلة إعادة بناء الدولة.
وفي المقابل، فإن مطالبة البنوك التجارية بالعودة إلى دورها الطبيعي في تمويل الاقتصاد يجب أن تراعي أيضاً حجم التحديات التي واجهها القطاع المصرفي نفسه خلال سنوات الحرب. فالبنوك لم تكن بعيدة عن آثار الأزمة؛ إذ تعرضت لضغوط كبيرة شملت فقدان بعض الأصول، وتعطل عدد من الفروع، وتأثر عدد كبير من العملاء، وتعثر بعض المحافظ التمويلية، وتراجع قيمة الضمانات. ولذلك فإن إعادة بناء دور البنوك لا تعني فقط مطالبتها بزيادة التمويل، بل تتطلب أيضاً تقوية مراكزها المالية وتطوير أدوات إدارة المخاطر، لأن البنك الضعيف لا يستطيع تمويل اقتصاد قوي.
اليوم، وبعد أن بدأ بنك السودان خطوات لإعادة حركة الأموال والتعاملات إلى القنوات الرسمية، فإن التحدي الأكبر ليس فقط في دخول السيولة إلى البنوك، وإنما ماذا ستفعل البنوك بهذه الأموال؟ لأن السيولة داخل المصارف إذا لم تتحول إلى تمويل للإنتاج، ستظل مجرد أرقام. والودائع إذا لم تتحول إلى مصانع تعمل، ومزارع تنتج، وصادرات تتحرك، فلن تغير الواقع الاقتصادي.
ومن هنا يمكن قراءة خطوات بنك السودان المتعلقة بإدارة الكتلة النقدية وتنظيم الفئات المتداولة من زاوية أوسع. فالقضية ليست مجرد أوراق نقدية تدخل أو تخرج من السوق، وإنما محاولة لاستعادة السيطرة على حجم السيولة الحقيقية، وتقليل أثر الاقتصاد الموازي، وإخراج جزء من الفئات المزورة أو المشكوك فيها من التداول، وزيادة ارتباط حركة الأموال بالنظام المصرفي.
لكن نجاح هذه الخطوات لا يكتمل بمجرد تنظيم النقد، بل عندما تتحول الأموال داخل الجهاز المصرفي إلى تمويل حقيقي للإنتاج. فالاختبار الحقيقي ليس حجم الودائع داخل البنوك، وإنما قدرة البنوك على تحويل هذه الودائع إلى حركة اقتصادية.
وهنا يجب أن يبدأ نقاش جديد بين بنك السودان والبنوك التجارية حول إعادة تعريف دور البنك في المرحلة المقبلة. فالمرحلة القادمة تحتاج إلى بنك لا ينتظر العميل فقط، وإنما يبحث عن الفرص، ويبني إدارات مخاطر قادرة على تمويل الإنتاج بدلاً من الهروب منه.
فالسودان الخارج من الحرب لن يحتاج فقط إلى أموال، بل يحتاج إلى مؤسسات تعرف كيف تستخدم الأموال. وهناك فرق كبير بين توفر السيولة وتوفر التمويل؛ فالسيولة مال موجود، أما التمويل فهو قرار اقتصادي يحول هذا المال إلى قيمة.
ومن هنا تأتي أهمية التحول الرقمي في القطاع المصرفي، ليس باعتباره تطبيقات هاتفية فقط، بل باعتباره بنية جديدة للثقة بين المواطن والنظام المالي. فالمواطن لن يعود إلى البنوك بمجرد صدور القرارات، بل عندما يجد خدمة سهلة وآمنة وسريعة ونظاماً يحفظ أمواله ويوفر احتياجاته. والتاجر لن يترك التعامل النقدي إلا إذا وجد نظام دفع أكثر كفاءة، والمستثمر لن يضع أمواله إلا إذا وجد نظاماً مصرفياً يستطيع الاعتماد عليه.
لذلك فإن إصلاح البنوك اليوم ليس ملفاً مصرفياً فقط، بل جزء أساسي من إعادة بناء الاقتصاد الوطني. لقد أثبت بنك السودان خلال الأيام الماضية أن التدخل المنظم يمكن أن يؤثر في السوق، وأن الثقة يمكن أن تعود عندما تشعر الأسواق بوجود إدارة واضحة، لكن المرحلة القادمة أصعب.
فخفض الدولار قد يتحقق بالتدخل، أما استقرار العملة فلا يتحقق إلا عندما يتحول الجهاز المصرفي إلى محرك للإنتاج.
المعركة القادمة لن تكون فقط في سوق العملات، بل ستكون داخل البنوك؛ في قرارات التمويل، وفي إدارة المخاطر، وفي القدرة على تحويل المدخرات إلى استثمارات.
لقد بدأ بنك السودان استعادة زمام المبادرة، والآن الكرة تنتقل إلى البنوك التجارية. فإما أن تبقى مجرد مؤسسات تحفظ المال، أو تتحول إلى مؤسسات تصنع المستقبل.
لأن قوة العملة في النهاية لا تأتي من كمية الأموال الموجودة داخل الخزائن، بل من قدرة الاقتصاد على تحويل هذه الأموال إلى إنتاج وثروة.