رأي

بخت الرضا: إسلامها الذي فات على قريفث

عبد الله علي إبراهيم

ما أول ما يطرأ للسوداني المتعلم لدى ذكر معهد بخت الرضا؟
أول ما يطرأ له هو “في القولد التقيت بالصديق” ورفيقاتها؟
وسلطان هذا المنظومة على هذا الطالب عائد لأساليب التربية الإسلامية التي قال روبن هودجكن، من صفوة بخت الرضا ومدير دار النشر لمصلحة المعارف، أنها نفذت إلى نص بخت الرضا “رغم الأسباب”. ف”في القولد” هي من أساليب التعليم الإسلامي في نظم معارف ما لاستذكارها كما في “ألفية ابن مالك” أشهر هذه المنظومات. وهو أسلوب متروك في الغرب الذي يعده تلقيناً يعطل شغل العقل في الطالب.
فما بقي من بخت الرضا في ذاكرة تلميذنا هو بضاعتنا ردت إلينا. وهي، كما قال أحدهم، كأن تلقى نفسك قادماً من الطرف الآخر من الشارع.
جاء روبن هودجكن (1916-2003) بمفهوم “النص الهجين” الذائع في دراسات ما بعد الاستعمار. وهو أن مؤسسة مثل بخت الرضا، كنص، نتاج تلاقح الثقافة التربوية للإنجليز والسودانيين معاً مهما قلنا عن سلطان الإنجليز في تحرير هذا التلاقح بما يمكن لهم من ذلك السلطان. فميز هودجكن التربية الإسلامية التي جاء بها الجيل السوداني تمييزاً لن تجده عند قريفث الذي قال بإيجاز أن الإسلام لا ثقافة ولا الله قال.
من أين جاء هودجكن لهذا القول العذب. جاء إليه من عقيدة الكويكر المسيحية بالمعلوم من رحابتها من جهة التسامح الديني.

وهذه كلمة نشرتها في نعيه وضمنتها كتابي “التعليم والاستعمار: بخت الرضا” (هيئة الخرطوم للصحافة والنشر، 2012)
حمدت الله أن قامت جامعة في بخت الرضا حتي يرتاح القارئ من المقالات التي بكت معهد بخت الرضا واستبكت الناس عليه بعد حل نظام نميري له. وكنت أفرغ من قراءة الكتابات فإذا هي نعي أجوف من صدى ذكريات لا تظفر منه بفكرة ثاقبة عن قيمة المعهد وانجازه.
ووجدت في هذه المراثي معرضاً لعاهة ثقافية في الصفوة التي اتفق لها أن الاحتجاج السياسي المتباكي مما يعفيها من النظر التحليلي في فكرة ومآل المؤسسة. وترتب علي هذا أن تحولنا بالمؤسسات الي عتبات مقدسة صماء لا ينفذ النظر اليها. فعلى كثرة ما قرأت من نعي للمعهد لم أقع علي إشارة ذكية إلى كتب قريفث، عميد المعهد الانجليزي، عنه. وقد قرأت له ووجدت فلسفته للمعهد سيئة الظن ببيئة التلميذ السوداني.
خطرت لي هذه الملحوظة عن أزمة صفوتنا وأنا أقرا نعي روبن هودجكن الذي هو من أفاضل الانجليز المربين في بخت الرضا. وقد درس جيلنا عليه جغرافية السودان بالانجليزي في أولى ثانوي.
وكنت قرأت له أفضل تحليل لديناميكية بخت الرضا في ورقة قدمها لمؤتمر بجامعة درهام عام 1982. وقد رد هودجكن سداد تقليد المعهد التربوي إلى التقاء نهرين ثقافيين هما التقليد التربوي الاسلامي السوداني والتقليد الإنجليزي بتوضيحاته. فقال إن للحكمة ومتانة الشخصية اللذين جاء بهما السودانيون إلى بخت الرضا جذوراً في عقيدة الإسلام نفسها. فمن يقرأ ما كتبه بابكر بدري عن تعليمه في سبعينات القرن التاسع عشر، في قوله، عرف كيف ينطبع المسلم بالدين ويتربى به. فقد تلقي بدري العلم من بين 200 حواراً في الخلوة علي يد ولي ما على ضفاف النيل الأزرق. وقال هودجكن أنه صحيح أن كان للفكي سوطاً طويلاً ولكنه كمعلم اشتمل علي ما هو أميز من السوط. فقد احاطت به هالة من قداسة أو الكريزما. وأشار إلى قول إرنست قلنر، الكاتب البريطاني، الداعي إلى أن الفهم الأفضل للمجتمع المسلم يتأتى من النظر إليه في طابعه المزدوج: في معاش أهله الرعوي والمام ثقافتهم بالكتابة وفنونها في باكر عهدها. وقال هودجكن إن قلنر نسي مع ذلك أن يذكر، ضمن خطته لفهم المجتمع الاسلامي، طاقة كبري للدين وهي أخذه بناصية الناس وتغيير حياتهم.
وتطرق هودجكن إلى النهر التربوي الأجنبي الذي تلاقح عند بخت الرضا. فقد جاء الإنجليز إلى بخت الرضا بمسيحية ملطفة ،علي الريحة، ولكنها نفاذة مؤثرة. وقد خالط هذه المسيحية أثر من ثقافة الزمن ارتكزت على ذكريات الجيل الإنجليزي ومعاييره الخلقية المؤطرة في حنين شفيف للماضي وهزء بالثوابت وحزن طبع عشرينات القرن الماضي.
وقال هودجكن إن الهند أثرت في تقليد بخت الرضا التربوي. والذي جاء بهذا الأثر الهندي هو قريفث الذي عمل في الهند وأقام في “أشرام” وهو معبد يدار علي نهج غاندي الروحي. فتأثير منهج غاندي في النضال السلمي غلب في السودان أيضاً. وقال إنه ما يزال يحتفظ بنسخة هلهل من كتاب “حياتي” لنهرو استلفها وقرأها طلاب عديدون في السنة الأولي الجامعية بكلية غردون. وقال إن هناك تأثيرات أخري على بخت الرضا ولكنها سالبة مثل ضعف حظ معشر الإنجليز بالمعهد في اللغة العربية. وقال إنه كان حتى للحرب الأهلية الأسبانية (1936) ووقائع أخري في الغرب أثرت في تكوين بخت الرضا.
لم يذرف هودجكن دمعة واحدة علي بخت الرضا ولكنه ذرف فكراً دقيقاً محيطاً من الذي يحبب الأشياء الي الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى