انصراف الشعب وغياب القيادة عن الميدان

فيما أرى

عادل الباز

١

في البداية، أود أن أذكّر الغافلين بأن نصف الوطن لا يزال محتلًا، وأن خمس دول جوار تحاصرنا وتمد العدو بكل أنواع الأسلحة وشتى الإمدادات، من المرتزقة إلى المواد البترولية. بل إن سقوط الكرمك الاستراتيجية قبل أيام قليلة، وما صاحبه من نزوح آلاف الأسر واتهامات بتورط قوات قادمة من العمق الإثيوبي، يثبت أن الحصار ليس نظريًا، بل واقع يتوسع يومًا بعد يوم، وأن الجبهات الجديدة تفتح أبوابًا للعدو على مصراعيها.

٢

في ختام مقالي السابق («البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته»)، قلت إن المطلوب الآن ليس مجرد استنهاض للهمم فحسب، بل أيضًا دعوة صريحة لعودة قادة الجيش إلى مسارح العمليات، وعودة الشعب إلى ساحات الاستنفار ليسانده. هذه هي الطريقة الوحيدة القادرة على صدّ الاستسلام المسبق.

قبل أن نجيب عن كيفية عودة الشعب إلى ساحات الاستنفار، لا بد أن نسأل بصراحة: لماذا انصرف عنها أصلًا؟

٣

بعد تحرير الخرطوم وانحسار التمرد وتمركزه في غرب السودان، ساد اعتقاد لدى كثيرين بأن التمرد قد انتهى وتم دحره نهائيًا، وأن الأمر لا يحتاج سوى بضعة أشهر حتى يُكنس من كافة أرجاء الوطن. غذت هذه التصورات تصريحات متتالية من قيادات الدولة والجيش أكدت فيها مرارًا أن «النهاية قريبة»، وأننا سنصل قريبًا إلى أم دافوق وغيرها.

٤

وفي الوقت نفسه، انتشر اعتقاد بأن الجيش أصبح قادرًا على حسم المعركة وحده، دون حاجة إلى سند شعبي واسع. وإذا كان الحال كذلك، فلماذا نواصل الاستنفار؟

ونتيجة لذلك، انخفض مستوى التعبئة العامة، وتراجع الحديث عن الاستنفار في وسائل الإعلام الرسمية والشعبية، وتوقفت قيادات الدولة عن استنفار الناس لدعم الجيش. اعتقد معظم الناس أن الدولة نفسها لا ترغب في استمرار الاستنفار، إما لتقديرات داخلية أو لمخاوف سياسية وعسكرية. وتدريجيًا، تلاشى الإحساس الشعبي بأن هذه الحرب لا تزال تستهدف وجود الوطن ذاته، وبأن خطر الانهيار أو الاحتلال ما زال قائمًا.

كل هذه التقديرات مجرد أوهام وأساطير لا شواهد حقيقية تدعمها. فالعدو لا يزال يحتل نصف البلد، ويجمع المال والرجال والذهب بدعم إماراتي مباشر للاستيلاء على ما تبقى. المشكلة الكبرى أن أهل النصف الذي ابتعدت عنه الحرب ارتخت أيديهم عن الزناد، وصدّقوا أن المعركة قد انتهت لمجرد أنها ابتعدت عن أعينهم. والدليل الحي على خطورة هذا الوهم هو ما حدث في الكرمك: مدينة حدودية استراتيجية سقطت بعد معارك عنيفة، أدت إلى نزوح آلاف الأسر، وفتحت الطريق نحو الدمازين. ومع ذلك مر الخبر عند الكثيرين مرور الكرام، كأن الحرب تدور في بلد آخر. وهذا بالضبط ما يفرح به الأعداء: انصراف الشعب عن معركته.

٥

هكذا انصرف الشعب، وأُخليت معسكرات تدريب المستنفرين، وتوقفت الدولة عن دعوة الشعب للاستنفار، بل أصبحت تتعامل مع فكرة التعبئة الشعبية بحذر شديد، كأنها تخشاها أكثر مما تخشى العدو نفسه. غادر الناس ساحات الاستنفار ليبحثوا عن لقمة عيشهم. ونتيجة لذلك، فقد الجيش قدرته على الاستعواض، وبدأت اللحمة بينه وبين الشعب تتآكل، وارتخى عصب الوطن كأنه قد ترك رماد الحرب وراءه، وكأن الحصار قد فُكَّ والأعداء قد غادروا.

والأخطر من ذلك كله أن هذا الانصراف حدث في الوقت الذي يحتاج فيه الجيش أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيزات بشرية ومعنوية. فكيف يستعوض خسائره ويوسّع عملياته إذا ظل المستنفرون في بيوتهم يتابعون الأخبار عبر واتساب، كأن المعركة لا تعنيهم؟ هذه هي المأساة الحقيقية.

٦

كيف نستعيد الثقة ونعيد بناء الجبهة الداخلية؟ وكيف يستطيع الجيش استعادة قدرته على الاستعواض واستنفار الشعب من جديد؟

هذا السؤال يقودنا مباشرة إلى دور قيادات الجيش: أين هم اليوم؟ وماذا يفعلون؟

استعادة الثقة وبناء الجبهة الداخلية يتطلبان إجراءات حاسمة ومراجعة صريحة وشجاعة من القيادة. يجب على القيادة أن تجيب بوضوح على الأسئلة المحورية:

لماذا توقف الاستنفار؟ هل انتهت الحرب فعلاً؟ هل انتصرنا؟ هل لم يعد الجيش بحاجة إلى المستنفرين؟ وما هي خطة الاستعواض المستقبلية؟

الإجابة الصريحة أفضل بكثير من ترك الشعب فريسة للشائعات التي تغرق فيها وسائل التواصل، خاصة بعد التطورات الخطيرة والسريعة في النيل الأزرق، حيث أصبحت الدمازين مهددة، والطينة على الحدود التشادية تشهد توترًا متصاعدًا. الشعب يريد إجابات واضحة ومباشرة، لا بيانات عسكرية جافة تصدر بعد وقوع الكارثة.

٧

الشعب يريد أن يرى قادته موحدين، فأي تنازع أو خلاف ظاهر على مستوى القيادة العليا ينعكس سلبًا على الروح المعنوية في الميدان والداخل. كما يريد أن تكون قيادته حاضرة أمامه في الصفوف الأولى.

إذا لم يرَ الشعب قادته في الخطوط الأمامية، سيظل يعتقد أن الجيش قادر على الحسم وحده، وسيستمر التساؤل المُحبط: ماذا يفعل قادة الجيش بعيدًا عن ميادين المواجهة؟ الشعب يرغب في رؤية قادة الجيش في مسارح العمليات،رئيس هيئة الأركان الفريق محمد عثمان وصحبه.

الشعب يفرح كثيرًا برؤية الرئيس الفريق أول عبد الفتاح البرهان بين جنوده وضباطه في المتحركات وسوح القتال. مجرد هبوط طائرته وسط أي وحدة قتالية يرفع المعنويات إلى عنان السماء، ليس للجنود فقط، بل للشعب كله الذي يراه يكبّر ويهلّل بين حشود المقاتلين. هذا المشهد يبعث برسالة قوية ومصداقية عالية للعدو وللداخل على حد سواء: أن تصريحات «الحرب ماضية حتى دحر التمرد» ليست كلامًا للاستهلاك الإعلامي، بل هي موقف ميداني حقيقي.

٨

وترى أين رموز معركة الكرامة: الفريق ياسر العطا والفريق إبراهيم كباشي؟ طالت غيبتهما، وقلّ ظهورهما في الميدان. أين هما اليوم؟ ماذا يفعلان في المكاتب؟

الشعب يشتاق لرؤيتهما بين الجنود في المتحركات وهما يرفعان المعنويات ويشاركان في التعبئة. تحركاتهما الميدانية لها رمزية عسكرية وسياسية كبيرة، فهي تبعث رسالة واضحة للعدو بأن البلد موحد قيادةً وشعبًا، وأن قادته موجودون في الميدان يقودون ويحاربون مع الجنود حتى النصر النهائي.مؤكد أن هؤلاء القادة لن يبخلوا على جيشهم وشعبهم بساعة أو ساعتين أسبوعيًا في مسارح العمليات.

٩

وأين مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة؟ و جوزيف توكا الذي انشق عن جيشه ويحتل الكرمك حاليًا؟ لماذا لا نسمع له حسًا ولا ركزًا؟ نود أن نراه يرتدي الميري ويقود حملة استعادة الكرمك بنفسه. فالمعركة لا تحتاج فقط إلى بيانات رسمية وتصريحات، بل تحتاج إلى قيادة ميدانية مرئية تُشعر الجندي والمواطن بأن القيادة تقف معهما في الخندق نفسه. أليس هذا طلبًا منطقيًا ومعقولًا يا سيادة النائب القائد؟

١٠

أخيرًا، لقد ساهمت الفوضى الإدارية في بورتسودان، وقصص الفساد، والصراعات على المناصب والنفوذ بين النخب السياسية والعسكرية، في تشتيت انتباه القيادة عن الهدف الرئيسي: دحر العدو.اليوم.

إننا أمام مفترق طرق خطير:إما أن نعود جميعًا — قيادةً وشعبًا وجيشًا — إلى مربع الاستنفار والوحدة الحقيقية والعمل الجاد،

وإما أن نترك الجيش يقاتل وحده حتى تنفذ الذخيرة وتتضعضع المعنويات، والنتيجة معروفة سلفًا: مزيد من المدن تسقط ومزيد من النزوح، ووطن ينزف حتى يفنى. في الوقت نفسه لا يمكن للشعب أن يُستنفر ويؤمن بأن هذه معركته الوجودية، بينما يرى النخب  تتصارع على الكراسي والأموال ومربعات الذهب، فيما الوطن يكاد يضيع.

Exit mobile version