رأي

انشقاقات ومفارقات

إبراهيم عثمان

واهم من يظن أن جماعة صمود يدعون إلى محاسبة المنشقين عن الميليشيا باعتبارهم مجرمين مثلهم مثل كل قادة الميليشيا. هم في الحقيقة (فقط) يسخرون من الجيش الذي ــ بزعمهم ــ خالف ما ظلوا يرفضونه ويتمسك به، أي عدم الجلوس مع المجرمين. بينما الحقيقة أن الجيش منذ بداية التمرد دعا ضباط وجنود الميليشيا إلى الانشقاق ولم يغير موقفه.

ذات الصموديين الذين تتعالى أصواتهم كلما فارقت مجموعة صف الإجرام قائلين (كيف تستقبلون المجرمين؟) كانوا قد قدَّموا إلى صف الإجرام نصف عضوية كيانهم، وسموا ذلك “فك ارتباط” وليس “انشقاقاً”، وأخرجوه في صورة احتفالية تخللتها الإشادات بالوطنية والوحدوية والسلمية، والمواعظ عن الدرس الذي قدموه للقوى السياسية في “فك الارتباط الحضاري”!

طبيعي أن يغضب جماعة صمود من عودة المنشقين ومن استقبالهم، فهم ليسوا طرفاً محايداً، هم ضد الجيش بشكل معلن، ثم إن هذه العودة بطبيعتها لا تكفل لهم مصاحبة العائدين، فالعودة التي تناسبهم هي التي تمكنهم من مصاحبة العائدين بعد اتفاق وتنازلات، ليعودوا بمعية تأسيس، وبرعاية زايد إخوان من أبو ظبي إلى “حضن” القصر والوزارات.

لم تحدث حالات انشقاق من الميليشيا إلى صمود، فالمنشق عن الميليشيا لن يكون قد انتقل من ضفة إلى أخرى إذا ذهب إلى صمود، ولهذا، أي بسبب القرب، فإن صمود ليست وجهة طبيعية لتاركي صف الإجرام وصحبة المرتزقة والتبعية للإمارات!*

لكن ليس هناك ما يشي بأن صمود سترفض من يأتيها وقد “فك ارتباطه بالميليشيا بطريقة حضارية”، فمن احتفوا بمن ذهبوا إليها، طبيعي ألا يرفضوا من يأتون منها حاملين إشاداتها!

حدثت حالات انشقاق لإسلاميين انضموا للميليشيا، أشهرها حالة حسبو محمد عبد الرحمن، وقد عصم بهذا الانضمام للميليشيا نفسه من هجمات تقدم وصمود، وسلمت الميليشيا من انتقاداتهم بسبب استقبالها له. وهذا يثبت أن صمود تعلم جيداً الفرق بين تقديم التنازلات للكيان مجتمعاً والانشقاق الذي يجعل المنشق يعمل ضد الكيان، ولهذا لم تعلق سلباً على انشقاق حسبو محمد عبد الرحمن فقد التحق بالميليشيا وأعلن الحرب على الجيش والدولة وإخوانه السابقين، ومع ذلك تنادي بأن يتم التعامل مع قادة الميليشيا المحاربين كما عومل المنشقون! وهي التي لن تقبل إن طُلِب منها أن تعامل خصوم حسبو الحاليين كما تعامله هو!

يطبق قادة صمود دعوتهم إلى ترك ما يسمونه “الغبائن الشخصية” و”الغضب الأعمى”، إذ يتعاملون مع قادة الميليشيا بأريحية، ولا يوجهون إليهم بالأسماء أي انتقادات أو اتهامات بالإجرام طالما لم ينشقوا وكانوا على رأس عملهم الإجرامي، ويطبقونها أيضاً مع الإمارات، فطالما استمرت في عملها الإجرامي في السودان لا تتوقف قيادتهم عن تقديم الغطاء الإنساني لعدوانها، وعن التفنن في اجتراح حيل الدفاع عنه واختراع حيل الهجوم على رافضيه والمطالبين بوقفه!

ولا يستثنون من الهجوم المطالبين بمعالجته بطريقة دبلوماسية تفاوضية، فكما يتذكرون أن قادة الميليشيا مجرمين عندما ينشقون، كذلك يتذكرون أن الإمارات طامعة في موارد السودان عندما يأتي حديث التفاوض معها، فحينها يزعمون أن أي تفاوض معها لوقف عدوانها هو بالضرورة بيع للبلد لها!

كما رأينا تعمل الانتقائية الصمودية بكفاءة فتذكر إجرام القادة عند انشقاقهم عن الميليشيا ولا تذكره مرتبطاً بغير المنشقين، ولا تحذر من الوقوع فيه عند الانضمام إليها، وتذكر طمع الإمارات عند الخشية من التفاوض معها لوقف عدوانها، ولا تذكره عند عدوانها، وترغب في أن تعود إلى حضن القصر والوزارات بمعية وعون المجرمين والطامعين مجتمعين وفارضين لشروطهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى