انحسار النيل الأزرق يشعل الجدل

الأحداث – وكالات
أثار الانخفاض غير المسبوق في مناسيب النيل الأزرق خلال الأسابيع الأخيرة مخاوف واسعة في السودان، بعد تأثر إمدادات مياه الشرب والري وإنتاج الكهرباء في عدد من المناطق، وسط شكاوى من توقف بعض محطات المياه والطلمبات النهرية. وفي الوقت الذي عزت فيه جهات رسمية هذا الانحسار إلى بدء إثيوبيا التخزين السنوي لمياه سد النهضة، تصاعد الجدل حول ما إذا كان السد هو السبب المباشر للأزمة، أم أن ضعف إدارة الموارد المائية داخل السودان أسهم في تفاقم آثارها.

وتكتسب الأزمة أهمية خاصة لأنها تعيد إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات حساسية في السودان، وهو ملف الأمن المائي، في ظل اعتماد ملايين المواطنين على النيل الأزرق في مياه الشرب والري وتوليد الكهرباء، فضلاً عن ارتباطه بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.

تصريفات السد:

وأكدت وزارة الري والموارد المائية السودانية، في بيان الجمعة الماضي، حدوث انخفاض مؤقت في واردات مياه النيل الأزرق نتيجة تراجع تصريفات سد النهضة الإثيوبي، موضحة أن انخفاض المناسيب وارتفاعها ظاهرة طبيعية، إلا أن قيام السد أدى إلى تغيير في هيدرولوجيا النهر، وهو ما فرض واقعاً جديداً على إدارة الموارد المائية في السودان.

تحول جوهري:

ويرى خبراء مختصون أن اكتمال تشغيل سد النهضة أحدث تحولاً جوهرياً في النظام الهيدرولوجي للنيل الأزرق، إذ لم تعد التدفقات المائية تخضع بالكامل للدورة الطبيعية للفيضان كما كان الحال لعقود، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً ببرامج تشغيل السد الإثيوبي، الأمر الذي يفرض على السودان تطوير سياسات تشغيل خزاناته والتكيف مع هذا الواقع الجديد لضمان استقرار الإمدادات المائية.

لم تتحقق:

في الوقت نفسه اعتبر الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري السودانية الدكتور أحمد المفتي أن الوعود التي رُوّج لها بشأن فوائد سد النهضة للسودان لم تتحقق، مؤكداً أن البلاد لم تحصل على الكهرباء الموعودة، كما لم تتحقق الوعود المتعلقة بإمكانية تنفيذ ثلاث دورات زراعية سنوياً، في ظل استمرار شكاوى المزارعين من نقص المياه وفقدان مساحات من الأراضي الزراعية المعروفة بـ”الجروف” دون تعويض أصحابها.

الأمن المائي:

وانتقد المفتي في منشور له إغفال مبدأ “الأمن المائي” في إعلان مبادئ سد النهضة الموقع عام 2015، رغم تضمينه في اتفاقية عنتيبي، معتبراً أن إثيوبيا بدأت تنفيذ المشروع وملء بحيرته بصورة أحادية، دون الالتزام الكامل بما نص عليه الإعلان بشأن الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل. كما أشار إلى أن اللجنة الدولية التي راجعت المشروع عام 2013 سجلت ملاحظات تتعلق بأمان السد واستكمال الدراسات الفنية، معتبراً أن تلك الملاحظات لم تُعالج بصورة كافية حتى الآن، كما وجّه المفتي انتقادات إلى عدد من الخبراء الذين دافعوا عن المشروع، من بينهم وزير الري الأسبق الدكتور عثمان التوم، والمستشار القانوني السابق الدكتور سلمان محمد أحمد، مشيراً إلى أن الأخير عمل مستشاراً للحكومة الإثيوبية، فيما عمل التوم في إثيوبيا قبل بدء تشييد السد، معتبراً أن هذه الوقائع تستحق الإشارة عند تقييم المواقف التي أُعلنت بشأن المشروع.

لايمكن اختزالها:

في المقابل أورد الكاتب إبراهيم شقلاوي، في مقال بعنوان “سد النهضة… أم غفلة السودان؟”، رؤية رئيس اللجنة الفنية الأسبق بوزارة الموارد المائية البروفيسور سيف الدين حمد، الذي رأى أن الأزمة لا يمكن اختزالها في سد النهضة وحده، وإنما ترتبط أيضاً بكيفية إدارة السودان لموارده المائية في ظل المتغيرات التي فرضها السد. وبحسب ما أورده المقال، أوضح حمد أن التخزين السنوي في سد النهضة يتم وفق برنامج معلوم خلال أشهر الفيضان، وأن السودان كان على علم بهذه المواعيد، مشيراً إلى أن التصريفات الخارجة من السد خلال النصف الأول من العام كانت كافية لتخزين احتياطي مناسب في سد الروصيرص لتغطية احتياجات البلاد مع بدء موسم التخزين، معتبراً أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بكمية المياه، وإنما بكيفية إدارة الموارد المائية المتاحة، مضيفا أن السودان وإثيوبيا وقعا في أكتوبر 2022 ترتيبات فنية لتبادل المعلومات والتنسيق في تشغيل السدود، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في غياب البيانات، وإنما في ضعف توظيفها وتحويلها إلى قرارات تشغيل استباقية، فضلاً عن استمرار إدارة السدود السودانية وفق فلسفة ما قبل إنشاء سد النهضة، ودعا حمد إلى تبني مقاربة سودانية مستقلة في التعامل مع السد، تنطلق من أولويات الأمن المائي السوداني بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية، منتقداً اقتصار بيان وزارة الري على ربط انخفاض المناسيب ببدء التخزين دون توضيح الإجراءات التي اتخذتها الدولة للتعامل مع هذه المرحلة.

حوكمة الإدارة:

وتسلط هذه الرؤية الضوء على جانب آخر من الأزمة، يتمثل في الحوكمة وإدارة قطاع المياه، حيث يرى الخبراء أن امتلاك المعلومات الفنية لا يحقق نتائج ما لم يقترن بآليات مؤسسية فعالة لصنع القرار، وخطط تشغيل مرنة قادرة على استيعاب المتغيرات الجديدة التي فرضها تشغيل سد النهضة. كما تعيد الأزمة إلى الواجهة الجدل بشأن غياب اتفاق قانوني ملزم بين السودان ومصر وإثيوبيا ينظم قواعد ملء وتشغيل السد، إذ يرى مراقبون أن الترتيبات الفنية الخاصة بتبادل البيانات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تحل محل اتفاق قانوني يحدد الحقوق والالتزامات وآليات التعامل مع فترات الجفاف والطوارئ.

تجاهل الجذور:

ورد المفتي على طرح حمد، معتبراً أن الدعوة إلى التكيف مع الواقع الجديد تتناول جانباً من الأزمة وتتجاهل جذورها، محملاً وفد التفاوض السوداني، الذي ترأسه البروفيسور سيف الدين حمد، مسؤولية عدم التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يتضمن الإدارة المشتركة للسد ويحفظ الأمن المائي للسودان، وأكد المفتي في حديثه لـ “المحقق” أن اتفاق الترتيبات الفنية الموقع في أكتوبر 2022 لا يغني عن اتفاق قانوني شامل بشأن قواعد الملء والتشغيل، محذراً من أن المخاطر المرتبطة بالسد لا تقتصر على الانخفاضات الحالية في المناسيب، وإنما تشمل تحديات مستقبلية تتعلق بأمان السد قد تكون أكثر خطورة، من بينها احتمالات الانهيار الكلي أو الجزئي للسد لأي سبب، اضافة إلى احتمالات تأثيره على حصة السودان المائية مع تزايد الاحتياجات التنموية والزراعية، موضحا أن من أبرز أوجه القصور عدم تضمين الأمن المائي بصورة واضحة في إعلان المبادئ الموقع في عام 2015، رغم أن هذا المبدأ يحظى باجماع في إتفاقية عنتيبي التي وافقت عليها إثيوبيا، لافتا إلى أن حمد أصدر مؤخرا كتابا بعنوان “الأمن المائي”، وهو ما اعتبره المفتي تناقضا مع ماجرى خلال المفاوضات.

التنسيق الفني:

ورغم تباين الرؤى بين المفتي وحمد، فإن الأزمة تكشف عن تداخل مجموعة من العوامل، أبرزها بدء التخزين السنوي في سد النهضة، وطبيعة تشغيل السدود السودانية، ومستوى التنسيق الفني بين المؤسسات المعنية، وهو ما يجعل تحميل طرف واحد المسؤولية الكاملة أمراً محل نقاش بين الخبراء.

فتح النقاش:

وفي ظل استمرار الجدل، تبدو أزمة انحسار النيل الأزرق أكثر من مجرد انخفاض موسمي في المناسيب، إذ أعادت فتح نقاش واسع حول مستقبل إدارة الموارد المائية في السودان، ومدى جاهزية مؤسساته للتعامل مع الواقع الهيدرولوجي الجديد الذي فرضه سد النهضة، وما إذا كانت البلاد بحاجة إلى مراجعة سياساتها المائية وبنيتها المؤسسية، بالتوازي مع مواصلة السعي إلى اتفاق قانوني ملزم يحقق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية الامن المائي.

نقلا عن “المحقق”

Exit mobile version