رأي

الوقائع فيما يخص حادثة مقتل المعدنيين السودانيين

امجد فريد الطيب

وقعت مأساة حدودية سالت فيها دماء سودانية غالية وفقدنا أرواحاً عزيزة وهي مأساة تداخلت في صناعتها ظروف شظف العيش التي تدفع مواطنيننا إلى التعدين الأهلي في مناطق وعرة ومحفوفة بالمخاطر، مع تراجع قدرة الدولة على مراقبة حدودها الشمالية بسبب الحرب التي تستنزف مواردها في جبهات أخرى. لكن ذلك لا ينقص من مسئولية الحكومة في حماية مواطنيها، وكشف حقيقة ما جرى، وتحديد المسؤوليات ومنع تكرار المأساة.
منذ وقوع الحادث، استمرّت الاتصالات بين الحكومتين السودانية والمصرية على أعلى المستويات، قدّم خلالها الجانب المصري روايته الرسمية، التي تختلف في جوانب عدة عن الأخبار المتداولة واستعرضت بعض جوانبها بياناتهم الرسمية. وبعد ذلك أصدر مجلس السيادة بياناً ترحّم فيه على الضحايا وأعلن تشكيل لجنة من النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية للتحقيق في ملابسات الحادثة وتحديد المسؤوليات وإطلاع الرأي العام على النتائج. هذا هو المسار المؤسسي الذي تتبعه أي دولة مسؤولة. فالتحقيق ليس تهاوناً في حماية الدم السوداني، والتواصل الدبلوماسي ليس تفريطاً في السيادة، بل ممارسة لها.
بالتوازي، انطلقت حملة استقطاب سعت إلى توظيف الغضب الشعبي المشروع والحزن الذي أصاب السودانيين جميعاً لتحويل الحادثة إلى مواجهة سياسية واجتماعية مع مصر. وهي حملة لا تنفصل عن حسابات من يقفون خلفها لاستهداف الموقف المصري الداعم للسودان في مواجهة عدوان مليشيا الجنجويد المدعومة من الإمارات. وليس مصادفة أن تصدر هذه الحملة من أمضوا السنوات الماضية في تبرير جرائم المليشيا في سفك دماء السودانيين والدفاع عن رعاتها الإماراتيين. فالذين استخدموا شعارات الديمقراطية والحكم المدني لتبرير التحالف مع مليشيا متورطة في القتل والاغتصاب والتهجير، لا يصبحون حراساً لحرمة الدم السوداني بين يوم وليلة وموقفهم من دماء السودانيين التي تسفكها مسيّرات المليشيا وداعموها كل يوم تشهد عليهم. سجلهم معروف وموثق وفاضح في استرخاص سفك الدم السوداني، ولا تمحوه الشعارات الطارئة.

أسهم هذا الاستقطاب في خلق مناخ مشحون تجاوز المطالبة بكشف الحقيقة إلى مهاجمة قرار تكوين لجنة التحقيق قبل أن تبدأ عملها وترافق مع حوادث اعتداء على مواطنين مصريين في الخرطوم ادى الي مقتل اثنين منهم، ائذاناً بانفجار هذا الاستقطاب على المستوى الشعبي. هكذا تتحول مأساة ينبغي احتواؤها بالوسائل القانونية إلى ذريعة لإراقة مزيد من الدماء، ونكون انتقلنا من المطالبة بالعدالة إلى إنتاج مظالم جديدة، ومن حماية الأرواح إلى فتح الباب لفقدان المزيد منها. بينما لا يكترث أصحاب الغرض السياسي بالعواقب.
استمرار هذا الاستقطاب وتأجيجه بتكرار معلومات غير موثقة والتعامل معها على أنها حقائق مطلقة قبل ان تثبت، والتصعيد الإجتماعي والشعبوي، لا يخدمان ضحايا الحادثة ولا السودانيين ولا يساهمان في عدم تكراره. بل يؤججان ازمة يهدف من يقف خلفها الي استهداف موقف مصر الداعم للسودان في مواجهة الجنجويد. والمفارقة أن بعض دعاة هذا الاستقطاب أنفسهم هم الذين يدافعون عن الإمارات رغم الأدلة المتراكمة على دعمها للمليشيا التي تقتل السودانيين وتشردهم منذ أكثر من ثلاثة أعوام ويتجاهلون المسيرات التي تنطلق لتقتل السودانيين كل يوم.

وهنا يجب التمييز بين المطالبة السودانية المشروعة بحماية المواطنين، والتحقيق والمحاسبة في الحادث، وبين استغلال المأساة لافتعال قطيعة مع مصر خدمة لأجندات سياسية تضر بالسودان أولاً.

أكّد بيان مجلس السيادة بوضوح أن حماية أرواح السودانيين وكرامتهم وحدود البلاد وسيادتها واجب وأولوية لها. وضعف الرقابة على الحدود يستدعي تعزيز التنسيق ومعالجة مخالفات التعدين والحدود بالقانون، ولا يجب ترك المواطنين عرضة للعنف. وحتى إن ثبتت مخالفة قوانين الحدود، فإنها لا تبرر استخدام القوة المميتة بصورة غير مشروعة ضد المدنيين. حماية الأرواح والحفاظ على العلاقات السودانية المصرية ليسا موقفين متعارضين، بل التزامان متكاملان.

وأخيراً، قنوات الاتصال الرسمية مفتوحة، وهناك لجنة التحقيق تم تشكيلها، وستقوم بإعلان نتائج عملها وتمليك الحقائق للرأي العام واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار الحادثة. ومن حق السودانيين المطالبة بالشفافية والعدالة ورفض التستر على أي مسؤولية، دون السماح بتحويل حزنهم إلى أداة سياسية لجهات مغرضة لتصفية الحسابات وإشعال العداء لزيادة الأعباء على الحكومة.

الدم السوداني أغلى من المزايدة السياسية. والوفاء للضحايا لا يكون بإنتاج ضحايا جدد أو الاستثمار في المعاناة، بل بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة ومنع تكرار المأساة. واولئك الذين يعملون على تحويل دماء السودانيين إلى وقود لمعاركهم، كما حاولوا تغيير شعارات الديمقراطية والحكم المدني إلى غطاء لحرب الجنجويد، لا يدافعون عن السودان ولا السودانيين، بل يستثمرون في مآسيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى