رأي

الورقة التحليلية الثانية: حروب الوكالة… من إدارة الصراع إلى إدارة النفوذ

هشام يوسف عبد الرحمن

إذا كانت التحولات التي شهدتها طبيعة الحرب قد أعادت تعريف الفاعلين وأدوات القتال، فإنها أعادت، بالقدر نفسه، تشكيل الكيفية التي تدير بها القوى الكبرى الصراعات الدولية. فالحرب الحديثة لم تعد، في كثير من الحالات، تقوم على المواجهة المباشرة بين الجيوش النظامية، وإنما على منظومات أكثر تعقيداً، تتوزع فيها الأدوار بين قوى دولية، وفاعلين إقليميين، ووكلاء محليين، وشبكات دعم وتمويل وإسناد تعمل بدرجات متفاوتة من العلنية والسرية.

وليس هذا التحول مجرد تغير في الوسائل، وإنما يعكس تغيراً في مفهوم القوة ذاته. فكلما ارتفعت الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية للتدخل المباشر، ازدادت أهمية الأدوات غير المباشرة، وأصبح تحقيق الأهداف الاستراتيجية ممكناً من خلال إدارة بيئة الصراع، أكثر من إدارة المعركة نفسها.
وتجد هذه المقاربة جذورها في المدرسة الواقعية للعلاقات الدولية، التي تنظر إلى النظام الدولي باعتباره ساحة تنافس مستمر بين الدول، تحكمه اعتبارات القوة والمصلحة أكثر مما تحكمه الاعتبارات الأخلاقية. ويعد جون ميرشايمر من أبرز منظري الواقعية الهجومية؛ إذ يرى أن القوى الكبرى تتحرك وفق منطق تعظيم القوة والنفوذ، لأن النظام الدولي، في غياب سلطة عليا، لا يمنح الدول ضمانات دائمة لأمنها. ومن ثم، فإن أدوات السياسة الخارجية تُختار وفق ما يحقق المصالح الاستراتيجية ويحافظ على توازن القوة، لا وفق الشعارات أو الاعتبارات الأخلاقية وحدها.

ومن هذا المنظور، لا تمثل حروب الوكالة خروجاً على منطق العلاقات الدولية، بل تجسيداً له. فإذا كان بالإمكان تحقيق الأهداف ذاتها عبر أطراف أخرى، فإن اللجوء إلى التدخل المباشر يصبح أقل جاذبية، خصوصاً عندما تكون كلفته مرتفعة أو عندما تكون نتائجه غير مضمونة.

ويضيف ستيفن والت بعداً أكثر دقة من خلال نظرية “توازن التهديد”، التي تميز بين القوة والتهديد. فالدول لا تعيد بناء تحالفاتها لمجرد وجود قوة أكبر، وإنما عندما يتغير إدراكها لطبيعة التهديد الذي تواجهه. ولهذا، فإن التحالفات، وأدوات التدخل، وحتى طبيعة الدعم المقدم في الصراعات، تظل خاضعة لإعادة تقييم مستمرة كلما تغيرت الوقائع على الأرض.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في النزاعات الممتدة؛ إذ لا تعني إعادة التموضع بالضرورة تغيير الأهداف، وإنما قد تعني تغيير الوسائل التي تُدار بها تلك الأهداف. فالتبدل في الأدوات قد يكون تعبيراً عن إعادة تقدير الكلفة والمخاطر، لا عن مراجعة المقاصد الاستراتيجية. ومن زاوية مختلفة، يقدم إدوارد لوتواك تفسيراً يقوم على ما يسميه “المنطق المتناقض للاستراتيجية”؛ فليس الاستخدام الأكبر للقوة هو الذي يحقق أفضل النتائج دائماً، وإنما الاستخدام الأكثر كفاءة. وقد يدفع هذا المنطق الدول إلى تجنب التدخل العسكري المباشر عندما تكون أدوات أخرى أكثر قدرة على تحقيق الأثر المطلوب، سواء عبر الضغط الاقتصادي، أو الدعم اللوجستي، أو العمل الاستخباري، أو إدارة التحالفات، أو توظيف الأدوات الإعلامية والدبلوماسية.

وتبلغ هذه الفكرة ذروتها في أعمال أندرو مومفورد، الذي يرى أن حروب الوكالة لم تعد مجرد وسيلة من وسائل إدارة الصراع، وإنما أصبحت إحدى السمات البنيوية للنظام الدولي المعاصر. فالقوى الكبرى، في كثير من الحالات، لا تتخلى عن أهدافها، وإنما تعيد توزيع أدوار تنفيذها، بحيث تتولى أطراف أخرى الجزء الأكبر من الكلفة الميدانية، بينما يحتفظ مركز القرار بقدر واسع من حرية الحركة السياسية والدبلوماسية.

ولا يقتصر مفهوم الوكالة، في هذا السياق، على الدعم العسكري فحسب، وإنما يشمل منظومة متكاملة من التمويل، والتدريب، والإسناد اللوجستي، وتبادل المعلومات، والدعم السياسي، وإدارة السرديات الإعلامية، بما يجعل الوكيل جزءاً من شبكة استراتيجية أوسع، لا مجرد طرف يقاتل نيابة عن غيره.

ومن منظور الجغرافيا السياسية، يوضح هنري كيسنجر أن النظام الدولي لا يقوم على المثاليات، وإنما على إدارة توازنات القوة. ولذلك، فإن القوى الكبرى لا تبحث دائماً عن الحسم، بقدر ما تسعى إلى منع اختلال التوازن بطريقة تضر بمصالحها. أما زبيغنيو بريجينسكي، فينظر إلى الأقاليم ذات الأهمية الجيوسياسية بوصفها ساحات يتقاطع فيها التنافس بين القوى الكبرى، بحيث تصبح إدارة النفوذ فيها جزءاً من إدارة التوازن الدولي نفسه.

ويضيف جوزيف ناي بعداً آخر لهذا التحليل من خلال مفهوم القوة الذكية، الذي يقوم على التكامل بين القوة الصلبة والقوة الناعمة. فالتأثير في النزاعات الحديثة لا يتحقق بالسلاح وحده، وإنما أيضاً بالقدرة على تشكيل الإدراك، وكسب الشرعية، والتأثير في الرأي العام، وتوجيه السرديات السياسية والإعلامية، واستخدام الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية بصورة منسقة. وعندما تُقرأ هذه الإسهامات مجتمعة، يتبين أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم يعد مرهوناً بحجم القوات المنتشرة في الميدان، وإنما أصبح مرتبطاً بالقدرة على إدارة شبكة معقدة من العلاقات والتحالفات والموارد والأدوات، بحيث يتحقق التأثير بأقل قدر ممكن من الانخراط المباشر.
وفي هذا السياق، يقدم باري بوزان مفهوماً بالغ الأهمية هو “الأمننة”، الذي يفسر كيف تنتقل قضية محلية من نطاق السياسة الداخلية إلى نطاق الأمن الإقليمي أو الدولي. فعندما يُعاد تعريف نزاع داخلي باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدولة، تتسع دائرة الفاعلين، وتتعدد أدوات التدخل، ويصبح الصراع جزءاً من منظومة أمنية أوسع، تتداخل فيها اعتبارات الجغرافيا السياسية مع حسابات الأمن الجماعي.

وعلى ضوء هذه الأدبيات، لا تبدو حروب الوكالة مجرد خيار تكتيكي، وإنما إحدى الأدوات الرئيسة التي تطورت في ظل النظام الدولي المعاصر لإدارة الصراعات الممتدة. غير أن هذه الأدوات، مهما بلغت درجة تعقيدها، لا تفسر وحدها استمرار الحرب. فهي تفسر كيف يُدار الصراع، لكنها لا تجيب عن سؤال أكثر عمقاً: لماذا تستمر بعض الحروب حتى عندما تتراجع فرص الحسم العسكري؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى الحلقة التالية في البناء النظري لهذه الرؤية التحليلية، وهي الحلقة التي تناولها بول كوليير وديفيد كين من خلال مفهوم اقتصاد الحرب، حيث لا تعود الحرب مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وإنما تتحول، في بعض الحالات، إلى منظومة اقتصادية تعيد إنتاج نفسها، وتصبح لها مصالحها الخاصة، وأطرافها المستفيدة، وآليات استمرارها.

يتبع ،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى