الهوية في مواجهة السيولة الثقافية

موفق عبدالرحمن  يكتب في

جذور و أوراق 🍃

دخلنا عتبة القرن الحادي والعشرين ونحن نحمل معنا إرث من المفاهيم والقيم التي اتسمت بالرسوخ والاستقرار _ لنجد أنفسنا فجأة في عالم يعمل على  اذابة المُسلّمات ويعيد صياغة الثوابت .

فنحن نعيش اليوم في زمن السيولة _ وهنا يبرز السؤال المُلِح … هل تتشكل الهويات لتبقى وتستقر _  أم لتبحر في تحول مستمر لا يعرف السكون ؟

وانا اقرأ في هذا الموضوع من مدة وقفت على ما قاله السوسيولوجي زيجمونت باومان وهو يضع يده على هذا التحول في أطروحته عن _الحداثة السائلة_ _  فهو  يرى أن المؤسسات التي منحتنا الأمان كالدولة والعائلة والوظيفة المستقرة  … لم تعد قوالب ثابتة تفرضها الجماعة ، بل تحولت إلى خيارات فردية يحكمها منطق التغير .

ففي هذا العالم السائل الأولوية للتغيير لا للاستمرار _  وللرغبة الآنية لا للانتماء المتجذر  .

ولم تعد الهوية بناءً نشيده لمرة واحدة ، بل استحالت إلى مشروع مفتوح  بلا نهاية .

وهذا ما يجعلنا في حالة قلق دائم

فالهوية لم تعد جذور تضرب في الأرض _  بل أصبحت مراسي مؤقتة يسهل رفعها للإبحار نحو شواطئ جديدة .

هنا اشير لانه مع ظهور الأجيال الرقمية  انتقلت الهوية من الحيز الجغرافي الضيق إلى الفضاء السيبراني الواسع وبرزت

الهوية الهجينة والتي يشعر فيها  الشاب بانتمائه لمجتمعات رقمية عالمية تتجاوز حدود بيئته المحلية

ومع ظهور الأجيال الرقمية  لم تعد الهوية حبيسة في الحيز الجغرافي _ بل انتقلت إلى الفضاء السيبراني لتتشكل داخل غرف الصدى التي تصممها الخوارزميات _

وهنا يكمن التحول الخطير ..

فهذه الخوارزميات تعمل على توجيه وعي الفرد عبر تغذيتة بمحتوى يعزز انحيازاته المسبقة _ مما يساهم في تقوية هذة الهويات الهجينة التي قد تنفصل عن واقعها المحلي لتتصل بمجتمعات رقمية عابرة للحدود .

فتوجيه الخوارزميات لا يكتفي بعرض المعلومات _ بل يعيد صياغة الانتماء ليصبح رقمياََ بامتياز  _ حيث يشعر الشاب بارتباطه بمن يشبهونه في الخوارزمية أكثر من ارتباطه ببيئته المادية ،  مما يضع الهوية الوطنية أمام تحدٍ غير مسبوق في مواجهة استقطاب هذة المنصات الذكية .

ومن  هنا يبرز التحدي الوجودي كيف تحمي الدول كينونتها وسط هذا الطوفان ؟

وهنا اقول بان مواجهة هذا التحدي لا يكمن في الانعزال _  بل في استراتيجيات واعية أرى ان اهم اركانها يتمثل في :

_ تحديث السردية الوطنية عبر تبني خطاب مرن يستوعب التعددية ويتناغم مع الانفتاح العالمي دون ذوبان تماماََ كما عدد من الدول الواعية في المنطقة العربية والتى سآتي على ذكرها في قادم المقالات بمشيئة الله.

_  إثراء المحتوى الثقافي بتعزيز الحضور المحلي على المنصات الرقمية ليكون منافس وجاذب للأجيال الجديدة .

_ الاستثمار في القيم و بناء هوية قائمة على المواطنة الفاعلة والقيم الإنسانية .

وفي ذلك يجب أن ننتبه من الانزلاق نحو السطحية في نقد هذه السيولة _ فخطورة ذلك تكمن في تشتيت الوعي ، فبدل من الحوار العميق حول الموضوع نكتفي بردود أفعال لحظية تعيق تشكيل فكر نقدي رصين قادر على إحداث التغيير الحقيقي .

اختم هذا  المقال الاثرائي وأقول بأن السيولة الثقافية هي الواقع الذي يجب أن نتقن الملاحة فيه _ و التحدي اليوم لا يكمن في محاولة العودة إلى زمن الانغلاق  _ بل في صياغة هوية إنسانية متمسكة بالقيم  في عالم دائم الحركة يرفض الاستقرار ويحتفي بالعبور  .

 ونواصل

Exit mobile version