الهوية السودانية: قراءة واقعية في كتاب “أن تكون سودانيًا” للدكتور عبد الوهاب الأفندي
Mazin
عبد الله حربكانين
لطالما شكلت قضية الهوية في السودان محورًا للجدل والنقاشات المستفيضة، وغالبًا ما اتسمت الكتابات التي تناولتها بالتحيز والافتراضات المسبقة، مقدمةً إياها كصراع لا ينتهي بين اتجاهين متناقضين. إلا أن دراسة تاريخية حديثة للدكتور عبد الوهاب الأفندي، بعنوان “أن تكون سودانيًا”، والمطروحة حاليًا في معرض الكتاب بالدوحة، تقدم مقاربة مختلفة وأكثر واقعية لهذا المفهوم الشائك.
يتناول الدكتور الأفندي الهوية السودانية بأسلوب علمي رصين، مستصحبًا كافة الجوانب التي أغفلها الكثيرون ممن سبقوه في معالجة هذه القضية الحساسة. ويبرز الكتاب، الذي يمثل “سفرًا تاريخيًا”، أن الهوية السودانية تتسم بديناميكية مستمرة وقدرة على امتصاص المؤثرات الخارجية، مع غلبة واضحة للتأثير الداخلي. هذه الفرضية، التي يثبتها الأفندي من خلال التركيز على البعد الاجتماعي التاريخي، تفكك الاشتباك الفكري حول الهوية دون الغوص في الجدليات المعتادة.
من أبرز ما يميز مقاربة الأفندي رفضه القاطع للمقولة الشائعة بأن الهوية السودانية، لا سيما العربية منها، هي هوية “منتحلة” أو “مزورة”. ويؤكد الكاتب أن كل هوية في العالم تستند إلى قدر من “الأساطير” أو التصورات الذهنية، وأن للشعوب الحق الأصيل في اختيار الهوية التي تعبر عنها دون وصاية من أحد. كما لا ينكر الأفندي التداخل الطبيعي بين المكون العربي والإثنيات الأخرى في السودان، وهو تداخل لا يختلف عما هو موجود في العديد من المجتمعات حول العالم، مع الحفاظ على الخصائص والعادات والتقاليد المميزة لكل مجموعة.
ويرى الدكتور الأفندي أن تحول الهوية إلى “أزمة” في السياق السوداني لم يكن نتاجًا لطبيعتها، بل جاء نتيجة لمحاولات تسييسها واستخدامها كأداة للسيطرة أو الإقصاء، بدلاً من أن تكون وعاءً ثقافيًا جامعًا يعزز الوحدة والتنوع. المعلوم أن السلالات البشرية تداخلت عبر العصور، مما أدى إلى تشكيل شعوب عديدة نتيجة التمازج، وبالتالي لم يعد هناك “نقاء عرقي” لمجموعة سكانية بعينها.
وفي معالجته لموضوع العروبة والأفريقانية في السودان، يتسم الدكتور الأفندي بالهدوء والموضوعية، مستعرضًا الحقائق التاريخية دون تعسف أو التفاف. ويقدم روايته بناءً على ما توصل إليه من دراسته، في مقاربة تتناقض مع بعض الكتابات الأخرى التي سعت إلى سلب العرب هويتهم بناءً على اللون، متجاهلةً العادات والتقاليد والثقافة والإرث الاجتماعي الذي يشكل جزءًا أصيلًا من أي مكون إثني.
يخلص الدكتور الأفندي إلى أن الهوية يمكن أن تكون مصدرًا للاعتزاز ودافعًا للنهضة، أو قد تتحول إلى “أغلال” تعيق التقدم إذا استمرت الصراعات حول “الأدلجة” ومحاولة كل طرف فرض تصوره للهوية على الآخرين. وتدعو رؤيته إلى فهم الهوية السودانية كعملية تاريخية تراكمية، وتجاوز صراعات “الأوهام” نحو اعتراف متبادل ينهي حالة الشقاق الوطني، وهي دعوة تبدو أكثر واقعية وعمقًا من الكتابات السابقة التي تشبثت بمواقف عقدت المشكلة بدلاً من السعي لمعالجتها.