النيل الأزرق: الجبهة العسكرية الجديدة تتحول إلى أزمة أمن داخلي

شهد النيل الأزرق خلال أسابيع انتقالاً سريعاً من منطقة كانت بعيدة نسبياً عن مركز الحرب إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية في السودان.
القتال حول قيسان والكرمك والمناطق الحدودية مع إثيوبيا لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش وتحالف الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال. فالتطورات بدأت تغير طبيعة الأمن داخل المدن نفسها، خصوصاً الدمازين.
الحكم بالإعدام الذي أعلن عنه اليوم في قضية عوض عمر فيصل عباس يمثل أحد أوضح المؤشرات على ذلك.
بحسب الخلية الأمنية المشتركة، أدين الرجل بالتعاون مع قوات الدعم السريع وتقديم معلومات لها. لكن أهمية القضية لا تنبع فقط من الحكم؛ بل من البيئة التي صدر فيها.
في يونيو، قالت السلطات الأمنية إنها اعتقلت نحو 120 شخصاً للاشتباه في ارتباطهم بالدعم السريع. وفي أغسطس، أعلنت توقيف أكثر من عشرين مدنياً وثلاثة أجانب. (موقع دارفور٢٤ الاخباري)
هذا يعني أن الحرب أنتجت بالتوازي جبهة داخلية أمنية تقوم على ملاحقة شبكات المعلومات والمتعاونين المفترضين والخلايا النائمة.
في كل حرب، تصبح المعلومات جزءاً من ميدان القتال. لكن عندما تقع المدن قرب خطوط عمليات نشطة، تصبح الحدود بين التجسس والنشاط المدني العادي والاتصال بالأقارب والتجارة والهاتف أكثر حساسية.
وهنا تظهر مخاوف من أن يؤدي توسع العمليات الأمنية إلى اعتقالات مبنية على الاشتباه وليس الأدلة.
المجموعات الحقوقية تتحدث عن توقيف مدنيين وتفتيش هواتف واختفاءات قسرية. لا يمكن التحقق من كل حالة بصورة مستقلة، لكن كثافة التقارير نفسها تستحق الانتباه.
وتزداد حساسية الأمر بسبب موجات النزوح الجديدة.
الأمم المتحدة نقلت هذا الأسبوع تقديرات السلطات المحلية بأن نحو 22 ألف شخص ربما نزحوا من محلية قيسان خلال سبعة أيام. جزء من هؤلاء تحرك باتجاه الدمازين أو لجأ إلى مدارس ومراكز استقبال.
بذلك أصبحت المدينة تؤدي في الوقت نفسه ثلاث وظائف: عاصمة إدارية، مركزاً عسكرياً خلفياً، ومدينة تستقبل نازحين من جبهة القتال.
هذا الخليط يرفع التوتر الأمني.
كلما اتسع النزوح، يصبح التمييز بين السكان الأصليين والوافدين أصعب، بينما تخشى السلطات تسلل عناصر أو مخبرين وسط المدنيين.
وفي المقابل، فإن التشدد الأمني قد يجعل النازحين أنفسهم أكثر عرضة للتوقيف والاشتباه.
كما ترتبط جبهة النيل الأزرق بعامل خارجي بالغ الحساسية هو إثيوبيا.
الحدود طويلة ومتداخلة اجتماعياً وتجارياً، والقرب من إقليم بني شنقول–قمز يجعل أي تحرك عسكري في قيسان والكرمك مرتبطاً بالضرورة بحسابات الحدود.
اتهامات الخرطوم بوجود نشاط لوجستي مرتبط بالدعم السريع داخل إثيوبيا لم تُحسم بصورة مستقلة، لكن مجرد وجود هذه الاتهامات يغير طريقة تعامل السلطات السودانية مع الحدود.
وهناك بعد سياسي أيضاً.
النيل الأزرق أحد الأقاليم التي عاشت تاريخياً حروباً وتمرداً واتفاقات سلام وهياكل حكم خاصة. ولذلك فإن عودة الحرب إليها تحمل آثاراً تتجاوز السيطرة على مدينة أو معبر.
إذا استمرت المواجهة، قد تنشأ موجة نزوح إلى إثيوبيا، وقد تتعطل التجارة الحدودية، وقد تتحول الدمازين إلى قاعدة عسكرية أكبر.
والسؤال الأهم: هل يسعى الجيش إلى هجوم واسع لاستعادة المواقع التي فقدها، أم إلى تثبيت خطوط دفاع حول الدمازين أولاً؟
التعزيزات التي وصلت خلال الأيام الماضية وتصريحات القيادة العسكرية توحي بأن خيار الهجوم مطروح، لكن لم يظهر حتى الآن ما يكفي لإثبات بدء العملية الواسعة.
إذا بدأت، فستكون جغرافيا النيل الأزرق صعبة: طرق محدودة، موسم أمطار، مناطق جبلية وحدود مفتوحة نسبياً.
وهذا يعني أن العمليات العسكرية لن تكون سريعة بالضرورة.
النتيجة هي أن الولاية تتجه إلى حالة يمكن وصفها بـعسكرة المجتمع الخلفي للحرب: نزوح، تفتيش، اعتقالات، محاكمات، تجنيد، وتعزيزات عسكرية في مساحة محدودة.
الحكم بالإعدام اليوم هو ربما أكثر العلامات وضوحاً على انتقال الحرب من الجبهة إلى المحكمة.

Exit mobile version