رأي

الناظر عبدالقادر منعم منصور.. شهيد الوطن الذي لم تنحنِ قامته ونظّارٌ باعوا المواقف بأبخس الأثمان

 مهند رحمه الله

في ذكرى استشهاد أمير شهداء معركة الكرامة.. تتجدد سيرة الثبات وتنكشف الفوارق بين من اختار الوطن ومن اختار الاصطفاف مع المليشيا
لم يكن استشهاد الناظر عبدالقادر منعم منصور حدثاً عابراً في تاريخ دار حمر، ولم تكن مواقفه مجرد كلمات تُقال في زمن الحرب بل كانت سيرة وطنية عنوانها الثبات والإيمان بالقضية والاستعداد لدفع أغلى الأثمان دفاعاً عن الأرض والعرض والسيادة الوطنية.
لقد اختار الناظر عبدالقادر منعم منصور الذي يستحق عن جدارة أن يُخلّد في ذاكرة أبناء منطقته بوصفه أمير شهداء معركة الكرامة، أن يقف مع الوطن ومؤسساته الوطنية وأن يعلن دعمه وإسناده للقوات المسلحة السودانية في مرحلة اختلطت فيها المواقف، وتعرضت فيها القيادات الأهلية لضغوط وابتزازات ومحاولات لجرّها إلى صفوف المليشيا.
ظل الشهيد يردد عبارته التي تختصر فلسفته في الانتماء والكرامة: (نموت جميعاً وتحيى القوات المسلحة وبطن الأرض خير لنا من ظاهرها في ظل وجود المليشيا الإرهابية) . لم تكن هذه العبارة في معناها مجرد هتاف عاطفي بل كانت تعبيراً عن موقف مبدئي يضع الوطن فوق المصالح الشخصية والكرامة فوق الحسابات الضيقة والسيادة الوطنية فوق كل مساومة.
وحين حاولت المليشيا وفقاً لما يرويه أهل المنطقة عن تلك المرحلة إخضاعه وإجباره على تقديم الدعم والإسناد لها، لم يتراجع عن موقفه ولم يساوم على قناعاته ولم يبع تاريخ أهله مقابل سلامة مؤقتة أو مكسب زائل. ظل ثابتاً كجبل حيدوب متمسكاً بأرضه وعرضه، إلى أن ارتقى شهيداً داخل وطنه الصغير وعلى أرض أجداده التي أحبها ودافع عنها.
وهنا تكمن عظمة الموقف فقد كان بإمكانه أن يختار الصمت أو أن يبحث عن تسوية تحفظ له حياته ومكانته، لكنه اختار أن يترك للأجيال درساً في الشجاعة والمسؤولية الوطنية وأن يجعل من موقفه شهادة تاريخية على أن القيادة الأهلية ليست وجاهة اجتماعية فحسب بل أمانة وموقف ومسؤولية أمام الله والوطن والتاريخ.
بين من صانوا الوطن ومن اصطفوا مع المليشيا
إن استذكار سيرة الناظر عبدالقادر منعم منصور يفرض علينا أن نتوقف أمام التباين الواضح بين القيادات الأهلية في زمن المحنة؛ فهناك من تمسك بموقفه الوطني ورفض أن تتحول أهليته ومكانته الاجتماعية إلى غطاء للمليشيا وهناك قيادات أخرى اتخذت مواقف مؤيدة لها أو شاركت في حشد الدعم لصالحها بحسب ما نُسب إليها من مواقف وتصرفات خلال الحرب.
وليس من العدل أن تُقاس جميع القيادات الأهلية بمسطرة واحدة فالمواقف تُوزن بما صدر عن أصحابها وما قدموه من أفعال، وما ترتب عليها من آثار على المواطنين والوطن. لكن من حق الناس أن يسألوا بوضوح: كيف يمكن لمن يرفع راية الإدارة الأهلية أن يبرر الاصطفاف مع قوة تسببت في معاناة المدنيين وانتهاك أمن المجتمعات وتهجير أهلها بينما دفع آخرون حياتهم ثمناً لرفض ذلك المسار؟
إن الفارق بين الموقفين ليس خلافاً على مكانة اجتماعية أو تنافساً على النفوذ بل هو اختلاف في معنى المسؤولية الوطنية ذاتها. فالتاريخ لا يُكتب بالألقاب ولا تُصان الكرامة بالمناصب، وإنما بما يقدمه الإنسان حين يصبح الاختيار بين الوطن والمصلحة الشخصية أمراً لا يحتمل المواربة.
وإذا كان بعض أصحاب المواقع الأهلية قد اختاروا وفقاً للمواقف المنسوبة إليهم الاصطفاف مع المليشيا، فإن سيرة الناظر عبدالقادر تظل معياراً أخلاقياً ووطنياً يُحتكم إليه، لا لتصفية الحسابات، بل للتذكير بأن دماء الشهداء ليست سلعة وأن تضحيات الشعوب لا يجوز أن تتحول إلى أوراق تفاوض أو وسيلة لتحقيق المكاسب.
دار حمر.. تضحيات لا تُمحى من ذاكرة الوطن
لم يكن الشهيد وحده في ميدان التضحية فقد وقف أبناء دار حمر في صفوف القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية الأخرى وقدموا من أرواحهم وجهدهم وإمكاناتهم ما يعكس تمسكهم بأرضهم ورفضهم أن تكون مناطقهم ساحة مستباحة للفوضى والتهجير والانتهاكات.
لقد حمل أبناء المنطقة عبء الدفاع عن مجتمعاتهم وواجهوا ظروفاً قاسية، وسقط منهم الشهداء وتشردت الأسر وفقد كثيرون الأمن والاستقرار. وستظل هذه التضحيات جزءاً من الذاكرة الوطنية التي تستحق التوثيق بعيداً عن المزايدات والمكايدات وإنصافاً لكل من اختار الدفاع عن أهله ووطنه.
إن الوفاء للناظر عبدالقادر منعم منصور لا يكون بمجرد إطلاق الألقاب عليه أو إقامة المناسبات لإحياء ذكراه بل بتحويل سيرته إلى مشروع وطني وأخلاقي للأجيال القادمة مشروع يرسخ قيمة المواطنة ويحمي النسيج الاجتماعي ويمنع توظيف الإدارة الأهلية في تأجيج الصراعات ويجعل كرامة الإنسان السوداني فوق كل اعتبار.
سيبقى الموقف.. وتسقط المساومات
قد تتغير التحالفات وقد تتبدل موازين القوة وقد يجد بعض الناس لأنفسهم مبررات مؤقتة لمواقف اتخذوها في زمن الحرب لكن التاريخ لا يتوقف عند رواية واحدة ولا يمنح صكوك البراءة لمجرد امتلاك النفوذ أو القدرة على تبرير الأفعال.
ستظل سيرة الناظر عبدالقادر منعم منصور حاضرة في وجدان أبناء دار حمر، بوصفها رمزاً للتضحية والثبات في لحظة مفصلية من تاريخ السودان. وستظل عبارته وموقفه دعوة مفتوحة لكل قيادة أهلية بأن تدرك أن مكانتها مستمدة من ثقة الناس، وأن هذه الثقة أمانة لا يجوز بيعها بأبخس الأثمان.
أما الذين اصطفوا مع المليشيا أو أيدوا مشروعها فإن مواقفهم ستظل موضع مساءلة تاريخية وقانونية وأخلاقية وفقاً لما يثبت من أفعالهم وأدوارهم. فالوطن أكبر من الأشخاص ودماء الشهداء أكبر من المصالح والذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تنسى من دافعوا عنها ولا أن تتجاهل الأسئلة الصعبة حول من أسهموا في إضعافها.
سلامٌ على الناظر عبدالقادر منعم منصور يوم ثبت على موقفه ويوم استشهد دفاعاً عن أرضه وعرضه ويوم تبقى سيرته شاهداً على أن الرجال لا تعرف أعمارهم بعدد السنوات بل بما يتركونه من مواقف في ساعات الامتحان الكبرى.
رحم الله أمير شهداء معركة الكرامة ورحم شهداء دار حمر والسودان وحفظ القوات المسلحة وكل من يسعى إلى صون وحدة البلاد واستعادة أمنها واستقرارها.
المجد للشهداء والخلود للمواقف الوطنية والوفاء لأرضٍ لم يبخل أبناؤها بالتضحية من أجلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى