كان المناخ في الاستراتيجية الدولية يُعامل طويلاً باعتباره ملفاً بيئياً. اليوم أصبح عنصراً من عناصر القوة والجغرافيا.
تحليل نشرتهFinancial Timesاليوم يلفت إلى تحول بالغ الأهمية: تغير المناخ لا يغير درجات الحرارة فقط؛ إنه يغير قيمة الطرق والموانئ والأنهار والموارد. (Financial Times)
خذ القطب الشمالي.
ذوبان الجليد يجعل الملاحة لفترات أطول ممكنة على مسارات كانت مغلقة تاريخياً. الصين تتحدث عن «طريق الحرير القطبي»، بينما ترى روسيا في الساحل الشمالي ممراً استراتيجياً جديداً.
كل رحلة تنتقل شمالاً هي رحلة لا تمر بقناة السويس.
وفي الطرف الآخر يحدث العكس في قناة بنما. انخفاض الأمطار ومستويات المياه يمكن أن يحد من عدد السفن أو الحمولة التي تستطيع عبور القناة.
أي أن الاحترار يفتح طريقاً ويضغط على طريق آخر.
الأنهار الأوروبية تقدم نموذجاً ثالثاً.
الراين ليس منظراً سياحياً فقط؛ إنه خط شحن يحمل الفحم والكيماويات والمواد الخام إلى قلب الصناعة الألمانية.
خلال موجات الجفاف الأخيرة انخفض العمق عند بعض النقاط إلى نحو متر، ما أجبر السفن على العمل بجزء من حمولتها. وتشير تقديرات ناقشتهاFTإلى أن اضطرابات الراين يمكن أن تخصم ما يصل إلى نحو 0.3 نقطة مئوية من نمو ألمانيا في الظروف الشديدة. (Financial Times)
ماذا يعني ذلك للمصنع؟
شركة كانت تعتبر النقل النهري بنية ثابتة يجب أن تفكر الآن في السكك الحديدية والشاحنات والمخزون الاحتياطي.
وهكذا يدخل المناخ مباشرة في قرار الاستثمار.
هناك أيضاً الكهرباء.
الحرارة والجفاف يخفضان إنتاج الطاقة الكهرومائية. ومحطات الطاقة النووية والحرارية تحتاج إلى المياه للتبريد، وقد تضطر إلى خفض الإنتاج عندما ترتفع حرارة الأنهار.
في المقابل، تصبح الدول التي تملك الشمس والرياح والمعادن اللازمة للطاقة الجديدة أكثر قيمة.
والصين بنت لنفسها موقعاً قوياً في الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية والعناصر الأرضية النادرة، ما يمنحها ميزة استراتيجية في الاقتصاد الذي يحاول الابتعاد عن الوقود الأحفوري. (Financial Times)
المفارقة أن الأسواق المالية لا تزال ضعيفة في تسعير هذه التحولات.
السند طويل الأجل أو العقار أو الميناء قد يعيش ثلاثين أو خمسين سنة، بينما نموذج المخاطر ينظر أحياناً إلى السنوات القليلة المقبلة.
المناخ بذلك يشبه الجغرافيا السياسية البطيئة: يبدو بعيداً حتى يحدث التحول فجأة.
والسؤال الذي سيطرحه صناع الاستراتيجية قريباً لن يكون «كم درجة سترتفع الحرارة؟» فقط.
بل: أي ممر تجاري يفقد قيمته؟ أي أرض زراعية تكسب؟ أي ميناء يصبح محورياً؟ وأي دولة ستملك التكنولوجيا اللازمة للتكيف؟