رأي

الملك… شدّ «البنقز» يا حرقل

الفاتح عبدالله
كانت الصندلة التي ترسو على شاطئ النيل قبالة المسرح القومي بأم درمان تتمايل طربًا مع المعزوفة التي تنشدها فرقة الأستاذ الراحل محمد وردي، وتتبارى في تقديم أجمل ما لديها من رقصات مع الموجة التي تتكسر على جنبات الصندلة.

حينها كان الأستاذ محمد وردي على ظهر الصندلة، وتبدو عليه علامات القلق والخوف، التي كانت جلية في وجهه، وقبل أن تمتد يده لتناول فنجان من القهوة برفقة عدد من الشخصيات التي حرص وردي دائمًا على الجلوس معها قبل بداية كل حفل يقيمه على خشبة المسرح القومي.

ودون مقدمات، سأل أحدهم وردي عن القلق الذي كان ظاهرًا على تقاسيم وجهه. وكان السائل على معرفة تامة بشخصية وردي، الذي كان في عادته يبدو فرحًا وأريحيًا، خاصة حين يكون على موعد مع جمهوره في المسرح القومي.

تظاهر وردي، بعد سماعه السؤال، بمحاولة إخفاء قلقه وتوتره، وركز نظره في فنجان القهوة الذي بين يديه، ورشف منه رشفة. وقبل أن يتذوق طعم القهوة جيدًا، جاء صوته مشحونًا ببصيص من الأمل في أن يتراجع عازف الإيقاع حرقل عن قرار نيته الاغتراب في دولة الإمارات العربية المتحدة.

ودون أي تردد، وهو يضع فنجان القهوة على الطاولة، قال إن ذهاب «حرقل» إلى الإمارات سيؤدي إلى اختلال إيقاع هذه الفرقة الموسيقية. ثم صمت.

بحديثه هذا، أدخل وردي الذين كانوا يجلسون معه في حالة من الاندهاش والاستغراب، متسائلين عن سر تمسك الفرعون النوبي بحرقل، الذي جاء إلى الدنيا في منتصف أربعينيات القرن الماضي بمدينة عطبرة، حيث أطلق عليه والداه اسم جعفر. وحسب بطاقته الشخصية، فإن اسمه جعفر فرج إبراهيم الشفيع. وعمل «الجنرال» في مهنة الحدادة بهيئة السكة الحديد، وكان من أمهر الحرفيين في ورشها، فكان الشاب بداخله فنان عظيم يكبر مع الأيام.

وكان حرقل كثير التفكير في آلة الإيقاع «البنقز»، التي كانت تتكون من علبتين فقط، وكان يرى أنها بشكلها الحالي لا تؤدي دورها كاملًا في الانسجام مع الألحان وإحداث التناغم المطلوب ضمن بقية الآلات الموسيقية.

ومن هذا الاعتقاد، أضاف إليها العلبة الثالثة، وأحدثت هذه الخطوة فرقًا كبيرًا عن شكلها السابق ضمن الفرق الموسيقية، وأصبح «البنقز» من أهم مكونات الفرق الموسيقية السودانية بعلبه الثلاث.

وعلى الرغم من أن أول من أدخل آلة «البنقز» في الغناء السوداني هو خميس جوهر، الذي يعتبر بمثابة أستاذ لحرقل، فإن الأخير تفوق عليه من خلال تطويره لهذه الآلة، وأضاف إليها كذلك العلبة الرابعة بعد الثالثة في بعض الأحيان.

المخرج عوض جعفر، المشهور بعوض «حرقل»، يشير إلى أن والده كان له دور كبير في تطوير هذه الآلة، وأنه كان صاحب أفكار كان لها أثر واضح في عملية التطوير.

ونوّه إلى أن «البنقز» كان يضم في السابق علبتين فقط، تعرفان بـ«الدم» و«التك»، وهو من أدخل العلبة الثالثة التي تعرف أيضًا بـ«مامبو».

وأشار إلى أن والده انضم إلى نادي جنوب الخرطوم، وبعدها إلى اتحاد الفنانين. وفي اتحاد الفنانين كان مديرًا لفرقة الأستاذ الراحل محمد وردي لفترة من الزمن، وكان ممسكًا بختم كل تعاقداته الفنية.

وفي فترة اغترابه في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي استمرت من عام 1982 إلى عام 1992، أسس خلالها، مع بعض العازفين، فرقة موسيقية في النادي السوداني بمدينة أبوظبي، كانت تقوم بالعزف للفنانين السودانيين الذين يزورون الإمارات في الإجازات، بالإضافة إلى بعض الفنانين العرب والصوماليين المتواجدين في الإمارات.

وفي عام 1994، حمل حرقل حقيبته وغادر إلى العاصمة المصرية القاهرة برفقة الفنان محمد وردي، بعد مشاركته في حفل أديس أبابا، وفضّل البقاء في القاهرة.

وكون، ضمن مجموعة من العازفين في عابدين، فرقة موسيقية، بجانب مشاركته مع الفنانة الراحلة ستونا. وأيضًا كان من ضمن أعضاء فرقة «جذور» لصاحبها فتحي سلامة، وشارك كذلك في العزف مع عدد من الفنانين النوبيين، وكان يشكل حضورًا كبيرًا في المهرجانات السياحية خلال فترة الصيف.

وكان يشارك مع فرقة فتحي سلامة في الجولات الأوروبية التي كانت تقوم بها الفرقة في تلك الفترة، وأيضًا كان ضمن فرقة حسام شاكر و«رحالة».

ويشير عوض إلى أن والده شارك مع المخرج الموسيقي المصري الدكتور انتصار عبد الفتاح كعازف للموسيقى الحية، كجزء من العرض المسرحي «طبول فاوست»، التي فازت في مهرجان القاهرة المسرحي التجريبي سنة 1999م، وعُرضت المسرحية لاحقًا في مسرح البالون.

كما شارك في عدد كبير من الأعمال المسرحية، منها «مرايا إلكترا» مع المخرجة هناء عبد الفتاح، التي عُرضت في مسرح السلام عام 2001م، كما كان ضمن فرقة «رحالة» مع الفنان الراحل الدكتور حسام شاكر، التي كانت تقوم بجولات فنية بين مصر وألمانيا.

ودرج بعض الفنانين السودانيين في موسم الصيف على إحياء حفلات جماهيرية في القاهرة وعدد من المدن المصرية، مثل الراحلين صلاح بن البادية ومحمود عبد العزيز، وكان الراحل حرقل نقطة التقاء لهما، ويرتب لهما كل الأمور الفنية ويشارك معهما في الحفلات.

وحرقل، الذي كان محبوه في الوسط الفني يطلقون عليه لقب «الملك»، كان دائمًا ما يرتدي الزي السوداني المميز خلال مشاركاته الخارجية، تأكيدًا على تمسكه بالهوية السودانية. وأيضًا ساهم حرقل في تدريب عدد من العازفين، كما عمل كثيرًا على نشر الإيقاع السوداني بصورة كبيرة، بجانب تأليف عدد من الأشكال الإيقاعية الجديدة مع الفنان أبو عركي.

واعتبر الدكتور الموسيقار يوسف الموصلي الراحل جعفر «حرقل» من أعظم عازفي الإيقاع في السودان، وخاصة في «البنقز» و«التمّة»، وأضاف إليه العلبة الثالثة، وله تاريخ عظيم في مسيرة الغناء السوداني من خلال العزف والتطوير.

وأشار الموصلي إلى أن الراحل شارك في كثير من تسجيلات شركة حصاد للإنتاج الفني.

وعطفًا على حديث الموصلي، فإن الراحل أيضًا شارك ضمن فرقة الإذاعة الموسيقية، التي كانت تقوم بتنفيذ جميع الأعمال الموسيقية، كما كان مشاركًا ضمن الفرق الموسيقية للفنانين الراحلين عثمان حسين، وسيد خليفة، وصلاح بن البادية، وحمد الريح، والكابلي، وأحمد المصطفى، وزيدان إبراهيم.

لكن مشاركة الراحل حرقل مع الأستاذ محمد وردي كانت لها طعم خاص لدى معجبي وردي، وحتى الفرعون كان يستمتع كثيرًا بطريقة عزف حرقل والإيقاعات التي تخرج من تحت يديه.

وكثيرًا ما كان وردي يصيح أثناء الحفل بعبارة: «شدّ البنقز يا حرقل»، تقابلها ابتسامة من حرقل.

وكان كثير من المتابعين لمسيرة حرقل الفنية أكثر سعادة في عام 1994، حين ظهر في استاد أديس أبابا في الحفل الشهير للراحل محمد وردي. وكان حرقل، بهدوئه الذي عُرف به دائمًا، وأمامه أربع آلات مختلفة للإيقاع، واستطاع بخبرته الكبيرة وحسه الفني العالي أن يُخرج من تحت يديه أجمل الإيقاعات، التي تراقصت عليها حسناوات أديس وشبابها بصورة جنوبية.

في الثلاثين من شهر سبتمبر عام 2004، وبالعاصمة المصرية القاهرة، توفي الأستاذ جعفر فرج إبراهيم الشفيع، ونعته كثير من الصحف العربية على صفحاتها الفنية، وطويت صفحة فنان سوداني خالص كالآبريز، قدّم عصارة خبرته وعلمه في تطوير الأغنية السودانية وانتشارها في المحيط العربي والأفريقي، وتتلمذ على يديه عدد من عازفي الإيقاع في السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى