بقلم: عادل الباز
الموقف المبدئي: رفض سيناريو التقسيم القسري
في مقالٍ له الأسبوع الماضي، وضع الدكتور أمجد فريد إصبعه على مكمن الخطر قائلاً:
“إن محاولات فرض سيناريو التقسيم الليبي على السودان كأمر واقع محكوم عليها بالفشل منذ البداية، سواء جاءت عبر الباب أو عبر الشباك. فالسودان ليس ليبيا، ومليشيا الدعم السريع ليست طرفًا سياسيًا ذا مطالب سياسية لها أساس اجتماعي، بل هي مليشيا إرهابية ذات طابع فاشي، لا تمثل أي قاعدة اجتماعية حقيقية في السودان، ولا تستند إلى مشروع وطني أو تفويض شعبي”.
أتفق تماماً مع هذا الطرح المبدئي، بيد أنني أذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ أرى أن ما يطرحه الأمريكيون في مخططهم المسرب يتجاوز في سوئه وخطورته النموذج الليبي بمراحل، وهو ما يستوجب تشريح هذا المخطط لكشف أبعاده الكارثية.
تفاصيل المخطط: هدنة مؤقتة لتقسيم دائم
ما الذي تحمله “الورقة الأمريكية” في طياتها؟ تدعو البنود التسعة المسربة إلى هدنة لمدة 90 يوماً، يلتزم فيها كل طرف بمواقعه الحالية. وبموجب هذا الطرح، تُمنح المليشيا شرعية السيطرة على معظم إقليم دارفور ومناطق شاسعة في كردفان، بينما تنحصر سلطة الدولة في الولايات الشمالية والشرقية.
لكن السؤال الجوهري الذي يتهرب المخططون من الإجابة عليه هو: إلى متى سيستمر هذا الوضع؟
تشير الورقة إلى أن هذا الحال سيستمر حتى نهاية مفاوضات وقف إطلاق النار النهائي، وهو سقف زمني مفتوح قد يمتد لعقود، على غرار النموذج الكونغولي الذي انتهى بتقسيم فعلي للبلاد بين المليشيات إلى أجل غير مسمى. إنها وصفة أمريكية لتكريس واقع التقسيم تحت ستار “المفاوضات”، وهو وضع يفوق في خطورته النموذجين الليبي والكونغولي معاً.
لقد علمتنا دروس التاريخ السوداني أن الحلول التي “تُطبخ” في المطابخ الخارجية وتُفرض كأمر واقع لا تلامس جذور الأزمة، بل تزرع بذور أزمات مستقبلية أشد فتكاً، تماماً كما حدث في اتفاقية “نيفاشا” التي مهدت الطريق لتمزيق وحدة البلاد تحت مسمى المحاصصة.
الهدنة الإنسانية: “حصان طروادة” لتمكين المليشيا
تأتي دعوات الهدنة الإنسانية في هذا المقترح كـ “حصان طروادة” بامتياز؛ فالتجارب الميدانية أثبتت أن تدفق الإمدادات تحت غطاء الإغاثة غالباً ما يصب في مصلحة المليشيا، حيث تتحول مراكز التوزيع إلى نقاط نفوذ عسكري، ويُستخدم سلاح الجوع لكسر إرادة المناطق الصامدة.
وفي حين اعتمد النموذج الليبي على تكريس الانقسام بين قطبين جغرافيين (طرابلس وبنغازي) بكيانات متناغمة محلياً، فإن المخطط المراد للسودان يسعى لفرض عملية سياسية قسرية تنتج حكومة مدنية “هجين”. هذه الحكومة، وفقاً للرؤية الغربية، يجب أن تكون مخترقة من قبل وكلاء يضمنون إبعاد الجيش وإعادته إلى الثكنات، مما يترك الساحة خالية لمليشيا تسيطر على الغرب، وحلفاء سياسيين متنفذين في الخرطوم والشمال.
ومن خلف هذا المشهد، يبرز دور “الكفيل المشترك” (الإمارات) التي تسعى لبسط رعايتها على الطرفين؛ فتدعم المليشيا بالسلاح والمرتزقة لتثبيت سلطتها في الغرب، وتدعم حلفاءها السياسيين في الشمال للسيطرة على مفاصل الدولة، مما يؤدي في النهاية إلى تهميش الجيش ونسف تحالفاته الوطنية.
السودان ليس ليبيا: خطر الانهيار الشامل
يتجاهل واضعو المخطط الأمريكي حقيقة جغرافية وسياسية كبرى؛ وهي أن السودان ليس ليبيا. انهيار دولة بحجم السودان -التي تبلغ مساحتها عشرة أضعاف مساحة ليبيا- لن يتوقف أثره عند الحدود الوطنية، بل سيخلق “ثقباً أسود” أمنياً يبتلع منطقة الساحل والقرن الأفريقي برمتها، وهو ما يبدو أن المخططين يجهلون تبعاته أو يتجاهلونها عمداً.
علاوة على ذلك، تميز النموذج الليبي بوضوح الأطراف، بينما يسعى المخطط السوداني لإنشاء حكومات هجين مخترقة. كيف يمكن الوثوق بـ “وسيط” يدعو للسلام نهاراً ويغض الطرف ليلاً عن قوافل السلاح التي تعبر الحدود الغربية؟ إن هذا الافتقار للنزاهة يحول دور الوسيط إلى غطاء سياسي لإعادة ترتيب صفوف المليشيا لا أكثر.
لماذا سيفشل المخطط الأمريكي؟
هذا النموذج محكوم عليه بالفشل لسبب بسيط: أنه مكشوف بسذاجته ومعروف بمدبريه. فمن عجزوا عن إخضاع السودان بقوة السلاح والمرتزقة، لن ينجحوا في اختطافه عبر الخداع الدبلوماسي أو الضغوط الدولية؛ فالشعب السوداني وقادة جيشه يمتلكون من الوعي ما يكفي لكشف هذه الألاعيب.
نختم بما أكده الدكتور أمجد فريد:
“لا توجد هدنة يمكن أن تحظى بقبول السودانيين ما لم تتضمن، بصورة واضحة وغير قابلة للتأويل، انسحاب مليشيا الدعم السريع من الفضاءات والمنشآت المدنية، وإطلاق سراح المدنيين الرهائن. أما وقف إطلاق النار الذي يكرس الاحتلال المسلح فهو تواطؤ صريح مع الإجرام”.
إن الوعي الوطني هو الضمانة الوحيدة لإفشال هذه المخططات التي لا تستهدف الجيش فحسب، بل تستهدف وجود الدولة السودانية وكرامة شعبها.