رأي

المصارف السودانية أمام فرصة ما بعد الحرب: هل نستطيع تحويل اقتصاد الكاش إلى اقتصاد رقمي؟

د. مروة فؤاد قباني **
في الاقتصاد السوداني الذي أنهكته الحرب والتضخم واضطراب الأسواق، لم يعد السؤال المطروح هو: هل نحتاج إلى الخدمات المصرفية الإلكترونية؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا لا تستثمر المصارف السودانية بالسرعة الكافية في استقطاب العملاء وتحويل الحاجة التي فرضتها ظروف ما بعد الحرب إلى فرصة استراتيجية لبناء اقتصاد أقل اعتماداً على النقد؟
السودان يقف اليوم أمام لحظة اقتصادية ومصرفية استثنائية. فالتضخم المرتفع أضعف القوة الشرائية وأصبح التعامل النقدي أكثر تكلفة ومخاطرة، بينما أدت الحرب إلى تعطيل أجزاء كبيرة من البنية المصرفية التقليدية، ودفعت المواطن إلى البحث عن وسائل بديلة لتحويل الأموال واستقبالها وسداد احتياجاته اليومية.
وتزداد أهمية التحول الرقمي في ظل بيئة تضخمية شديدة الصعوبة. فقد ارتفع التضخم في السودان إلى نحو 170% خلال 2024 وفق بيانات أوردها البنك الدولي، بينما يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ تضخم أسعار المستهلك نحو 75.1% في 2026.
في مثل هذه البيئة، تصبح سرعة دوران الأموال، وسهولة الوصول إليها، وتقليل مخاطر حمل النقد، وتوفير وسائل دفع آمنة، عناصر أساسية في حماية النشاط الاقتصادي وليس مجرد رفاهية تقنية.
37 مصرفاً.. وسوق مصرفية تبحث عن العميل الرقمي:
وفق قائمة بنك السودان المركزي المنشورة للمصارف العاملة، تضم المنظومة المصرفية حالياً 37 مصرفاً. كما أصدر البنك المركزي في فبراير 2026 منشوراً جديداً لرأس المال صنّف المصارف إلى تجارية ومتخصصة ورقمية، وحدد للمصارف الرقمية الحد الأدنى لرأس المال المدفوع عند 140 مليار جنيه، بما يؤكد أن الرقمنة أصبحت جزءاً من التصور التنظيمي لمستقبل الجهاز المصرفي.
وهنا يبرز السؤال: إذا كان لدينا هذا العدد من المصارف، فلماذا لا نشهد منافسة أكبر على العميل الرقمي؟
المنافسة المصرفية في المرحلة المقبلة يجب ألا تقاس فقط بعدد الفروع أو أجهزة الصراف الآلي، وإنما بعدد العملاء النشطين رقمياً، وعدد العمليات الإلكترونية، وحجم المدفوعات الرقمية، وعدد التجار الذين يقبلون الدفع الإلكتروني، ومستوى رضا العملاء عن التطبيقات والخدمات الرقمية.
ولا توجد، بحسب البيانات المنشورة التي أمكن الوصول إليها، إحصائية رسمية موحدة تحدد عدد التطبيقات المصرفية النشطة لكل المصارف السودانية وعدد مستخدمي كل تطبيق. وهذه في حد ذاتها فجوة معلوماتية ينبغي معالجتها، لأن قياس التحول الرقمي يحتاج إلى مؤشرات دورية معلنة.
أكثر من 100 مليون معاملة إلكترونية.. الرقم الذي يجب أن يلفت انتباه المصارف:
الأرقام المتاحة من شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية EBS تقدم مؤشراً مهماً على تغير سلوك المستخدم؛ فقد أعلنت الشركة تنفيذ أكثر من 100 مليون معاملة تحويل إلكتروني بين الحسابات (A2A) خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026، بالتزامن مع العمل علي استعادة نظام المحول القومي والتسوية الشاملة، كما أشارت إلى أن بنيتها تربط 26 بنكاً داخل السودان.
هذه الأرقام لا تعني فقط نجاح البنية التحتية، وإنما تحمل رسالة اقتصادية ومصرفية أكبر:
هناك طلب حقيقي على التعامل الإلكتروني، وبالتالي، فإن الفرصة لم تعد في إثبات أن المواطن يستطيع استخدام الخدمة الرقمية، وإنما في أن تتنافس المصارف على جعل هذا الاستخدام جزءاً يومياً من حياة العميل.
أين المشكلة إذن؟
هل المشكلة في إدارات التسويق؟
أم في ضعف الرؤية لدى الإدارات التنفيذية؟
أم في ارتفاع تكلفة التسويق؟
أم في عدم وجود كوادر مؤهلة؟
أم في أن بعض التطبيقات والخدمات المصرفية الإلكترونية ليست جاذبة بما يكفي؟
في تقديري، المشكلة ليست في عامل واحد، وإنما في فجوة استراتيجية متكاملة؛ فبعض المصارف ربما لا تزال تنظر إلى التطبيق المصرفي باعتباره «منتجاً تقنياً» تقدمه إدارة تقنية المعلومات، بينما المفترض أن يكون التطبيق قناة مصرفية رئيسية ومنصة لإدارة العلاقة مع العميل.
وهذا الفرق في التفكير يغير كل شيء.. إذا كان التطبيق منتجاً تقنياً، فإن نجاحه يقاس بكونه يعمل.. أما إذا كان قناة مصرفية استراتيجية، فإن نجاحه يقاس بعدد العملاء النشطين، وعدد العمليات، وقيمة المعاملات، ومعدل الاحتفاظ بالعميل، ونسبة انتقال العملاء من الفروع إلى القنوات الرقمية.
التسويق المصرفي بحاجة إلى تغيير جذري:
لا يكفي أن تقول المصارف للعميل: «حمّل التطبيق».. العميل يريد أن يعرف: ماذا سأستفيد؟
هل أستطيع تحويل الأموال بسهولة؟
هل أستطيع دفع ثمن مشترياتي؟
هل يمكنني إرسال واستقبال الأموال دون حمل الكاش؟
هل الخدمة تعمل في ظل ضعف الإنترنت؟
هل أستطيع الوصول إلى الخدمة عبر الهاتف التقليدي؟
وهنا تأتي أهمية التوسع في القنوات المبسطة. فقد أعلنت وزارة التحول الرقمي والاتصالات في مارس 2026 إتاحة خدمات مصرفية عبر USSD بالتنسيق مع بنك السودان المركزي، بما يسمح بتنفيذ تحويلات شخص إلى شخص والاستعلام عن الرصيد وبعض العمليات دون الحاجة إلى اتصال إنترنت تقليدي.
وهذه خطوة مهمة، لأن التحول الرقمي في السودان يجب ألا يكون مرادفاً حصراً للهواتف الذكية والتطبيقات.
التحول الرقمي الحقيقي هو أن تصل الخدمة إلى العميل أياً كانت ظروفه التقنية.
من تطبيق مصرفي إلى منظومة اقتصادية رقمية:
التطبيق وحده لن يحل المشكلة.. نحتاج إلى منظومة متكاملة:
حساب مصرفي → تطبيق أو USSD → تحويل إلكتروني → تاجر → POS أو QR → تسوية إلكترونية.
إذا كان المواطن يستطيع تحويل الأموال عبر التطبيق، لكنه عندما يصل إلى السوق لا يجد تاجراً يقبل الدفع الإلكتروني، فسوف يعود إلى الكاش.
لذلك يجب أن يتحول جزء كبير من ميزانيات التسويق المصرفي من الإعلان عن التطبيق إلى بناء شبكة قبول للخدمات الرقمية.
وهنا يمكن للمصارف أن تتنافس على استقطاب التجار، والصيدليات، والمستشفيات، ومحطات الوقود، والمدارس، والجامعات، وشركات النقل، والمتاجر، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
التضخم يجعل التحول الرقمي ضرورة وليس رفاهية:
في بيئة تضخمية، لا ينبغي النظر إلى المدفوعات الإلكترونية باعتبارها مجرد وسيلة راحة؛ فكلما زادت سرعة وكفاءة انتقال الأموال، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الحركة، وأصبح المواطن أقل حاجة إلى الاحتفاظ بكميات كبيرة من النقد.
كما أن الاقتصاد الرقمي يوفر للمصارف فرصة أكبر لفهم حركة الأموال وسلوك العملاء، وتطوير منتجات أكثر ملاءمة، وتحسين إدارة المخاطر، وتعزيز الشمول المالي.
ومن هنا فإن استبدال العملة وإعادة تنظيم القطاع المصرفي يجب ألا يُنظرا كملفين منفصلين عن التحول الرقمي، بل يمكن أن تكون عملية استبدال العملة نقطة انتقال استراتيجية من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النقد إلى اقتصاد تتوسع فيه المدفوعات والتحويلات الإلكترونية.
المطلوب من المصارف الآن:
أعتقد أن كل مصرف يحتاج إلى وضع استراتيجية رقمية لمدة 12 شهراً تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، أهمها:
1.تحديد عدد العملاء المستهدف تحويلهم إلى عملاء رقميين.
2.رفع عدد العمليات الإلكترونية الشهرية.
3.تقليل اعتماد العملاء على الفروع في العمليات البسيطة.
4.توسيع شبكة التجار ونقاط قبول الدفع الإلكتروني.
5.تطوير تطبيقات أكثر بساطة واستقراراً.
6.توفير بدائل مثل USSD للعملاء الذين لا يستطيعون استخدام الإنترنت بصورة منتظمة.
7.استخدام بيانات العملاء في التسويق الذكي.
8.تطوير خدمة العملاء الرقمية.
9.الاستثمار في الأمن السيبراني وحماية الحسابات.
10.ربط مؤشرات التحول الرقمي مباشرة بأداء الإدارة التنفيذية.
والأهم أن يتم قياس النتائج بصورة شهرية.
المنافسة القادمة ليست على الفروع:
المنافسة المصرفية في السودان بعد الحرب لن تكون فقط حول من يعيد فتح فروعه أسرع، وإنما حول من يستطيع أن يستحوذ على العلاقة الرقمية مع العميل.
فالمصرف الذي يجعل العميل قادراً على استقبال أمواله، وتحويلها، ودفع التزاماته، والشراء، ومتابعة حسابه، دون الحاجة إلى حمل النقد أو زيارة الفرع، سيكون هو الأقرب إلى بناء علاقة مصرفية طويلة المدى.
والأمر لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها.. إنه يتعلق بالرؤية التنفيذية، والتسويق، والكوادر، وتجربة العميل، والتاجر، والبنية التحتية، والأمن، والتشريعات.
السودان يمتلك اليوم مؤشرات مهمة على إمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة؛ فهناك عشرات المصارف، وبنية وطنية للمدفوعات، وملايين المعاملات الإلكترونية، وتوسع في القنوات الرقمية، واتجاه تنظيمي واضح نحو المصارف الرقمية.. لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه البنية إلى سلوك مالي يومي لدى المواطن.
ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن تطرحه إدارات المصارف ليس: كم أنفقنا على التسويق؟
بل هو: كم عميلاً جديداً استقطبنا رقمياً؟ وكم عملية نقدية استطعنا تحويلها إلى عملية إلكترونية؟ وكم تاجراً أصبح يقبل الدفع الرقمي؟
إذا استطاعت المصارف الإجابة عن هذه الأسئلة بالأرقام، فإننا نكون قد بدأنا فعلاً في بناء مصرفية ما بعد الحرب.. أما إذا ظل التطبيق مجرد أيقونة على هاتف العميل، والفروع هي مركز النشاط الأساسي، فستظل فرصة التحول الرقمي أكبر من قدرة القطاع على استثمارها.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى مصارف تعيد تشغيل خدماتها، وإنما إلى مصارف تعيد تعريف الخدمة المصرفية نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى