الاحداث:ماجدة حسن
تتجدد من وقت إلى آخر في الوسط الفني السوداني النقاشات حول مفهوم «المدرسة الفنية»، وما إذا كان نجاح الفنان وانتشار تجربته يكفيان لوصفها بأنها مدرسة، أم أن المصطلح يرتبط بمعايير أوسع تحددها طبيعة التجربة وامتدادها وتأثيرها عبر الزمن.
ويؤكد الموسيقار د. الفاتح حسين، العميد السابق لكلية الموسيقى والدراما، أن مصطلح «المدرسة الفنية» لا يعني مؤسسة تعليمية، وإنما يشير إلى اتجاه أو أسلوب فني مميز تشترك فيه مجموعة من الفنانين، وتجمعهم سمات مشتركة في الأداء والتلحين والغناء والإيقاع والتوزيع الموسيقي، بحيث يصبح لهذا الاتجاه طابع يمكن تمييزه عن غيره.
ويضيف أن الحديث عن «المدرسة الفنية الأولى» أو «المدرسة الفنية الثانية» في تاريخ الموسيقى السودانية، يعني الإشارة إلى مراحل واتجاهات فنية ذات خصائص مختلفة، وليس بالضرورة إلى مدارس بالمعنى المؤسسي. وهو مفهوم معروف في تاريخ الفنون عموماً، كما في المدارس الكلاسيكية والرومانسية والانطباعية.
ويرى الشاعر والملحن هيثم عباس أن إطلاق وصف «المدرسة الفنية» يحتاج إلى قدر كبير من الدقة والوعي بقيمة المصطلح، موضحاً أن نجاح التجربة أو طول سنوات العمل أو اتساع قاعدة الجمهور لا تكفي وحدها لصناعة مدرسة بالمعنى التاريخي. فالمدرسة، في تقديره، تحتاج إلى زمن وامتداد وتلاميذ وتأثير، بحيث تتحول تجربة الفنان إلى تيار فني وفكري قادر على ترك بصمته في أجيال لاحقة.
ويؤكد عباس أن أصحاب التجارب التي تتحول إلى مدارس واتجاهات فنية يظلون نادرين في كل جيل، لأن «المدرسة تاريخ، والامتداد امتحان الزمن»، بينما يتمثل الأثر الحقيقي في ما يبقى من تجربة الفنان بعد خفوت حضوره الشخصي.
في المقابل، يرى الفنان الجيلاني الواثق أن المدرسة الفنية يمكن أن تعكس أسلوب حياة يختاره الفنان للتعبير عن رؤيته، مشيراً إلى أن تعدد المدارس يرتبط أحياناً بطريقة الأداء والاختيارات الشعرية والموسيقية، ومدى قربها من وجدان الفنان وتجربته الإنسانية.
ويقدم الفنان صلاح براون قراءة أكثر تفصيلاً، موضحاً أن المصطلح يستخدم في أكثر من سياق؛ فقد يشير إلى مجموعة من المبادئ والأفكار والأدوات الفنية المشتركة بين عدد من الفنانين، كما في المدارس الواقعية والتكعيبية والسريالية، وقد يرتبط أيضاً بتجربة فنان بعينه تترك بصمة خاصة ويتأثر بها فنانون آخرون.
وفي تاريخ الأغنية السودانية، يمكن رصد نماذج واضحة لهذه الاتجاهات، من بينها مدرسة الحقيبة، التي اعتمدت على إيقاعات وملامح أدائية مميزة، وبرز فيها فنانون مثل كرومة وسرور، إلى جانب شعراء مثل سيد عبدالعزيز وعبيد عبدالرحمن ومحمد بشير عتيق.
ومع تطور الإذاعة والتلفزيون وتقنيات التسجيل، ظهرت ملامح الأغنية الحديثة، خصوصاً لدى عدد من فناني الستينيات والسبعينيات، مع دخول آلات موسيقية جديدة وتطور التوزيع واللحن والأداء. ويبرز في هذا السياق محمد وردي، ومصطفى سيد أحمد، ومحمد الأمين، وعثمان حسين، وأبو عركي البخيت، وغيرهم ممن أسهموا في تطوير الأغنية السودانية ونقلها إلى مراحل جديدة.
كما ظهرت لاحقاً اتجاهات شبابية وموسيقية استفادت من أنماط مثل الجاز والروك والتويست والريغي، إلى جانب استخدام الكيبورد والدرامز وآلات النفخ، ما أضاف أشكالاً جديدة إلى التلحين والتوزيع والأداء. ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذه التجارب عثمان مصطفى، وشرحبيل أحمد، والجيلاني الواثق، وكمال كيلا، ووليم أندريه، وصلاح براون، إلى جانب فرق موسيقية مثل البلواستارز والديوم.
وبين هذه الرؤى، تبدو «المدرسة الفنية» في السودان مفهوماً يتجاوز الشهرة والنجاح الجماهيري؛ فقد تبدأ ببصمة فردية، لكنها لا تتحول إلى مدرسة بالمعنى التاريخي إلا عندما يصنع الزمن حولها امتداداً وتأثيراً وتلاميذ واتجاهاً واضحاً.
ويبقى السؤال: متى تصبح تجربة الفنان مدرسة؟ ربما تكمن الإجابة في المسافة التي يقطعها الأثر بعد صاحبه، وفي قدرة التجربة على تجاوز زمنها لتصبح جزءاً من ذاكرة الفن السوداني وتاريخه.