تقارير

المحروقات والحرب يدفعان الجنيه السوداني إلى منحدر جديد

المحقق – نازك شمام

ما الذي يدفع الجنيه السوداني لفقدان قيمته باستمرار مقابل العملات الأجنبية؟ قد يبدو السؤال غير منطقي في بلد محاط بظروف اقتصادية وسياسية وأمنية ويواجه ضغوطات وتحديات جسيمة؛ لأن الأسباب التي تؤدي إلى التراجع الكبير في العملة الوطنية متوفرة، بدءاً من الحرب، مروراً بتدني الصادرات وارتفاع الواردات، وانتهاءً بالمضاربات التي تتم على مدار الساعة في الأسواق غير الرسمية للعملات (الموازية).

ومنذ سنوات عدة، ظل ارتفاع أسعار الصرف سمة بارزة في الاقتصاد السوداني. وقد سعت الإدارات الاقتصادية المتعاقبة إلى إيجاد حل جذري لهذه الإشكالية، إلا أنها كانت تصيب الهدف أحياناً وتخطئه مرات عدة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية المستمرة التي تشهدها البلاد.

عند اندلاع الحرب التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع في أبريل 2023، بلغ سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار نحو 560 جنيهاً. وبعد نحو ثلاث سنوات وخمسة أشهر، تراجع الجنيه بنسبة 971% مقابل الدولار، مسجلاً بذلك أكبر انخفاض له خلال هذه الفترة. وتزامن ذلك مع صدور قرارات متتالية من الجهات الاقتصادية بهدف وقف هذا النزيف، إلا أن هذه القرارات لم تنجح في وقف عجلة التدهور المستمر.

ارتفاع سعر الصرف:

أمس (الأثنين)، أكدت الغرفة القومية للمستوردين أن قرار حظر استيراد عدد من السلع لم يسهم في وقف تدهور سعر الصرف حيث تراجعت قيمة العملة المحلية بنسبة 52.5% خلال أقل من أربعة أشهر فقط. وأوضحت الغرفة أن سعر الدولار كان في حدود 4,000 جنيه عند صدور قرار الحظر، قبل أن يرتفع إلى نحو 6,100 جنيه حالياً. بما يعادل تراجعًا في قيمة الجنيه بنحو ” 52.5%” خلال أقل من أربعة أشهر.

حظر السلع الكمالية:

وفي شهر أبريل الماضي، أصدر مجلس الوزراء قراراً بحظر استيراد 46 سلعة، بهدف الحد من استنزاف موارد النقد الأجنبي في السلع الكمالية، على حد قوله.

إلا أن قرار حظر السلع الكمالية، إلى جانب تقييد عمليات الصادر والوارد عبر عدد من الضوابط التي فرضها بنك السودان، أنتجت ردود فعل عكسية. ولم تفلح هذه القرارات في تحقيق استقرار العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، مما يطرح السؤال الجوهري: ما الأسباب الحقيقية وراء التراجع المستمر للجنيه السوداني؟

اختلال هيكلي:

يرى الخبير الاقتصادي أحمد بن عمر أن التراجع المستمر في قيمة الجنيه السوداني يعود بالأساس إلى اختلال هيكلي حاد بين الطلب على النقد الأجنبي وحجم الموارد المتاحة منه.

وأوضح أن ظروف الحرب الراهنة عمّقت هذا الاختلال من خلال تراجع الإنتاج والصادرات، وضعف الإيرادات العامة، وتصاعد الانفاق الحكومي، مع اتساع الاعتماد على التمويل المصرفي (الطباعة على المكشوف)، بالتزامن مع تسرب جانب كبير من تجارة الذهب والتحويلات إلى السوق الموازي.

وكشف بن عمر في حديثه مع “المحقق” أن استهلاك النقد الأجنبي يتركز بشكل أساسي في السلع الضرورية، مبيناً أن الموجز الإحصائي للتجارة الخارجية الصادر عن بنك السودان للنصف الأول من عام 2026، أظهر أن إجمالي الواردات بلغ نحو 4.517 مليار دولار.

واستحوذت المشتقات البترولية على 33% من فاتورة الاستيراد بقيمة 1.495 مليار دولار، يتصدرها الجازولين بقيمة 923 مليون دولار، ثم البنزين بقيمة 374 مليون دولار.

وبحسب تقرير بنك السودان، فإن استيراد المواد الغذائية بلغ 992 مليون دولار (تتضمن القمح بقيمة 382 مليون دولار)، وسجلت السلع المصنعة نحو 537 مليون دولار، فيما بلغ وارد الآلات والمعدات 517 مليون دولار، وبلغ استيراد المنتجات الكيماوية والطبية 375 مليون دولار (تتضمن الأدوية بقيمة 242 مليون دولار)، ووسائل النقل بقيمة 294 مليون دولار.

وأكد بن عمر أن الكماليات والسلع غير الأساسية تأتي في مرتبة متأخرة من حيث الوزن النسبي في هيكل الواردات. وأشار إلى أن الإنفاق العسكري يُمثّل مصدراً مهماً إضافياً للطلب على النقد الأجنبي لتمويل المعدات والذخائر والوقود والخدمات اللوجستية، إلا أن تحديد وزنه الرقمي الدقيق يتطلب بيانات حكومية تفصيلية غير متاحة حالياً.

وقال إن الميزان التجاري للنصف الأول من عام 2026 يوضح عمق الأزمة؛ حيث بلغت الواردات 4.52 مليار دولار مقابل صادرات لم تتجاوز 1.82 مليار دولار، مما أسفر عن عجز تجاري حاد ناهز 2.7 مليار دولار خلال 6 أشهر فقط.

دور الذهب:

وحول دور الذهب في إيقاف تدهور العملة الوطنية، أوضح بن عمر أن صادرات الذهب المسجلة رسمياً بلغت نحو 1.14 مليار دولار، إلا أن تسرب الذهب عبر التهريب يجعله يتحول في الخارج إلى أصول أو عملات أجنبية تُستخدم للاكتناز أو لتغذية خطوط تمويل التجارة عبر السوق الموازي.

وأكد أن جوهر أزمة الجنيه يكمن في الفجوة بين ما يولّده الاقتصاد من نقد أجنبي وما يحتاجه فعلياً. ففي ظل استيراد بقيمة 4.5 مليار دولار مقابل صادرات بـ 1.8 مليار دولار، وحركة الموارد الرئيسية (كالذهب والتحويلات) خارج النظام المصرفي، مع استمرار ارتفاع الإنفاق الداخلي والتمويل المصرفي خلال الحرب، يواصل الطلب على الدولار تفوقه الحاد على العرض الرسمي، وهو ما ينعكس مباشرة في التهاوي المستمر لقيمة العملة الوطنية.

ظروف الحرب:

في المقابل، أكد المحلل الاقتصادي وليد دليل أن التدهور في قيمة الجنيه السوداني يعود بالأساس إلى تضافر أسباب هيكلية عميقة مع الظروف القاسية للحرب الراهنة.

وأوضح أن توقف حركة التصدير وتضرر البنية التحتية لقطاع النفط أديا إلى تجريف شبه كامل لموارد البلاد من النقد الأجنبي، مما دفع الدولة للجوء إلى التمويل بالعجز (طباعة النقود) لتغطية النفقات الحكومية، بالتوازي مع تدمير المجمع الصناعي والزراعي وتزايد الضغط المضارب في السوق الموازي لهروب رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة.

المشتقات البترولية:

وحول هيكل الطلب على العملات الأجنبية، أشار دليل في حديثه لــ”المحقق” إلى أن التقديرات الميدانية والتحليلات الاقتصادية لتوزيع “فاتورة الاستيراد والإنفاق الخارجي” تشمل فاتورة المحروقات والمواد البترولية (40% – 45%) التي تشكل العبء الأكبر على الخزينة العامة والسوق الموازي، لا سيما بعد خروج مصفاة الجيلي عن الخدمة واضطرار القطاعين العام والخاص لاستيراد كامل الاحتياجات بالدولار لتشغيل كهرباء الطوارئ والمولدات.

وقال إن احتياجات المجهود الحربي والقوات المسلحة تمثل هي الأخرى نحو (25% – 30%) من الفاتورة الكلية للاستيراد، والذي يمثل أولوية قصوى ومباشرة لتمويل الأسلحة والعتاد والأنظمة اللوجستية وإعادة التأهيل، مما يسحب كتلة نقدية أجنبية ضخمة من السوقين الرسمية والتجارية.

فيما يبلغ استيراد السلع الأساسية كالقمح والدواء (15% – 20%)، مبيناً أن ارتفاع فاتورة استيراد القمح جاء نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي المحلي، يضاف إليها العجز الحاد في الإمداد الدوائي والمستلزمات الطبية.

وقدّر دليل المضاربة والهروب الاستثماري بنسبة تتراوح ما بين (10% – 15%)، مما يعكس الطلب غير الاستيرادي على العملة، نتيجة لجوء التجار والأفراد لتحويل السيولة بالجنيه إلى دولار أو ذهب لحماية قيمة أموالهم من التآكل، لافتاً إلى أن الكماليات والسلع غير الضرورية تُقدّر بنحو أقل من 5%.

أين المخرج؟

تؤكد المعطيات أن جوهر أزمة الجنيه يكمن في فجوة مزمنة بين ما يولده الاقتصاد من نقد أجنبي وما يحتاجه فعلياً. فمع استمرار الحرب، واتساع العجز التجاري، وخروج الموارد الرئيسة كالذهب والتحويلات من القنوات الرسمية، يظل الطلب على الدولار متفوقاً على العرض، ما ينعكس مباشرة في التهاوي المستمر لقيمة العملة.

وفي ظل غياب حلول جذرية تعالج الاختلالات الهيكلية، وتوقف النزيف، وتعيد الثقة للجهاز المصرفي، يبدو أن الجنيه السوداني سيظل أسير دوامة التدهور، وسيتحمل المواطن وحده فاتورة هذا الانهيار في معيشته اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى