رأي

المجاعة والتجويع

د.عبد اللطيف البوني يكتب:

(1)

يمن الأوروبيون علينا نحن الأفارقة خاصة… وشعوب العالم الثالث عامة.. بأنهم هم الذين أنقذونا من المجاعات التي كانت تفتك بنا …بسبب الأوبئة والأمراض الفتاكة والحروبات القبلية ..فهم بعد أن استعمرونا أوقفوا الحروبات القبلية… وكافحوا الأوبئة والأمراض وأقاموا المشاريع الزراعية ..التي تجعل الزراعة أقل استجابة للتقلّبات المناخية وما يعتريها من جفاف وتصحّر ..والأهم أنهم أقاموا شبكات الطرق البرية من سكك حديد وطرق معبّدة.. ثم الموانئ والمطارات فجعلوا عمليات الإغاثة والمكافحة سهلة ..هذا الكلام يحتوي على نصف الحقيقة …لأن ما لم يقله هؤلاء إن هناك مصائب و بؤر توتر ومهالك لم تعرفها أفريقيا ولا العالم الثالث إلا بعد احتكاكها بأوروبا …ما قبل الاستعمار المباشر وما بعده …بعبارة أخرى إن الاحتكاك بأوروبا بكافة أشكاله من استعمار قديم وحديث نتجت عنه فوائد حتى وإن كانت غير مقصودة ونتجت عنه بلاوي متلتلة….

(2)

لناخذ على سبيل المثال لذلك (سوداننا بليدنا وكلنا اكوان ) كما غنى الشيخ يوسف فتاكي قبل انفصال الجنوب ..فقد شهد قبل غزوة كتشنر التي قضت على الدولة المهدية …تحديداً في عهد الخليفة عبد الله مجاعة ليها ضل أي مجاعة كبرى .. عُرفت بمجاعة سنة ستة (هجرية) .. ناجمة من شُح الأمطار وتفشي الأوبئة وحروبات الخليفة غير المرشدة …داخلياً تجاه معارضيه وخارجياً تجاه الحبشة ومصر …يقول خبراء الاحصاءات السكانية أنه لو لا الموت الذي حدث في فترة الخليفة عبد الله لكان تعداد أهل السودان لا يقل عن تعداد مصر واثيوبيا إن لم يكن أكثر …

بعد أن وطّن المستعمر رجله في السودان اختفت ظواهر المجاعات ..والموت المجاني الجماعي رغم دورات الجفاف وشح الأمطار التي مرّت بالبلاد ..فالحكم المركزي القوي والاستقرار السياسي وشبكة الطرق خاصة السكك الحديدية…. ووجود مشروع كبير كمشروع الجزيرة .. كل هذه العوامل أبعدت شبح المجاعة عن السودان الانجليزي المصري (١٨٩٨–١٩٥٦) وهذا هو الاسم الرسمي له.

(3)

بعد الاستقلال شهدت البلاد موجات كثيرة من الجفاف والتصحّر وشهدت مجاعات محدودة في بعض أطرافها ولعل أشهرها مجاعة 1984 فهذه كانت مجاعة كبيرة …وقد كان وقعها قاسياً في إقليم دارفور وبدرجة أقل كردفان …وكان السبب الأساسي فيها شح الأمطار الذي بدأ منذ 1983…إهمال المشاريع المروية خاصة كبيرها مشروع الجزيرة …ثم تصدير الحبوب غير المرشّد للايفاء بخدمة الديون… واستعار حرب الجنوب ..وأكبر آثار تلك المجاعة كانت نفوق عدد كبير من الأنعام ..انخفض حجم الثروة الحيوانية انخفاضاً كبيراً …ومن أهم نتائجها موجة النزوح العالية من الأقاليم المنكوبة تجاه وسط السودان خاصة الخرطوم والجزيرة …في الخرطوم تضخم السكن العشوائي خاصة حول أم درمان… وفي الجزيرة تضاعف عدد سكان قرى العمال (الكنابي) ضعفين …لقد أحدثت تلك المجاعة آثاراً سياسية آنية أهمها المعونة الأمريكية التي تدفقت على السودان (عيش ريغان ) ثم الخلاف بين أحمد إبراهيم دريج حاكم دارفور والنميري حول إعلان دارفور منطقة مجاعة .. وبصورة غير مباشرة أسهمت تلك المجاعة في نهاية نظام مايو أما آثارها الديمغرافية فهي الأكبر والأبقى.

(4)

دعونا نقفز إلى يوم السودان هذا …ونسأل هل هناك نذر مجاعة أم أن هناك تجويع …المجاعة ترجع أسبابها للطبيعة تحديداً شح الأمطار أما التجويع فهو الجوع الناجم من السياسات المتخذة اقتصادية كانت أم سياسية …من ناحية طبيعية ماهو موقف الأمطار في موسم 2026؟ ماهو موقف السودان الغذائي الآن ؟ هل هناك فجوة غذائية عامة أم في بعض المناطق أم ليست هناك أي فجوة ؟ ماهي التدابير التي اتخذتها الجهات المسؤلة لمقابلة هذه المستجدات ؟الحرب الجارية الآن كيف اسهمت في تردي الأوضاع المعيشية . .باختصار كدة الضيق دة سببه شنو ؟خليكم معنا إلى المقال القادم إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى